تتسلم حكومة علي الزيدي مسؤولياتها في مرحلة تتسم بتزايد الضغوط على المالية العامة وارتفاع الحاجة إلى إصلاحات هيكلية طويلة الأجل. فعلى الرغم من النشاط الاقتصادي الملحوظ الذي شهدته السنوات الثلاث الماضية إلا ان ذلك ترافق مع توسع كبير في الإنفاق الحكومي. وقد ساهم ذلك بتحريك السوق المحلية، لكنه لم يتمكن من تعديل الخلل الهيكلي الأساسي الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي منذ سنوات طويلة. فالاعتماد شبه الكامل على النفط وضعف مساهمة القطاع الخاص في الإنتاج والتوظيف، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق التشغيلي، إضافة إلى تصاعد الدين الداخلي بوتيرة متسارعة باتت ملامح مشوهة لهذا الاقتصاد الريعي.
الواقع الصعب
وقد كشف الأداء الاقتصادي الكلي خلال السنوات الثلاث الماضية عن مجموعة من الاختلالات الهيكلية التي حدّت من قدرة الاقتصاد العراقي على تحقيق نمو مستدام وقادر على مواجهة الصدمات الخارجية. وقد برزت هذه الاختلالات بصورة أكثر وضوحاً خلال أزمة إغلاق مضيق هرمز، حيث بدا حجم الاعتماد على الإيرادات النفطية وهشاشة البنية الاقتصادية والمالية للدولة.
وفيما يلي استعراض مقتضب للتشوهات الهيكلية في الاقتصاد العراقي في السنوات الثلاث الماضية:
أولاً- استمرار الاعتماد المفرط على النفط
أظهرت أزمة إغلاق مضيق هرمز أن الاقتصاد العراقي ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط لتمويل الموازنة العامة والإنفاق الحكومي. فقد أدى تراجع الصادرات النفطية من 100 مليون برميل شهرياً إلى قرابة 10 ملايين برميل فقط إلى انخفاض حاد في الإيرادات العامة وخلق فجوة تمويلية قُدرت بنحو 9.5 مليار دولار شهرياً، ما يعكس محدودية مساهمة القطاعات غير النفطية في توليد الإيرادات والدخل القومي.
ثانياً- توسع الإنفاق الحكومي بوتيرة تفوق نمو الإيرادات المستدامة
شهدت المالية العامة توسعاً كبيراً في الإنفاق السنوي، ليقترب من 100 مليار دولار، دون أن يقابله نمو مماثل في مصادر الإيرادات المستدامة. وقد أدى ذلك إلى زيادة حساسية الموازنة تجاه تقلبات أسعار النفط، ورفع مخاطر العجز المالي عند تعرض الأسواق النفطية لأي اضطرابات أو انخفاضات حادة.
ثالثاً- هيمنة الإنفاق التشغيلي على الموازنة العامة
ارتفعت نسبة استحواذ الإنفاق التشغيلي على مجمل الموازنة ليصل إلى نحو 72% ، وذلك نتيجة ارتفاع مخصصات الرواتب والتقاعد والدعم والرعاية الاجتماعية. وقد أدى هذا التضخم في الإنفاق التشغيلي إلى تقليص الحيز المالي المتاح للإنفاق الاستثماري المنتج، ما حدّ من قدرة الدولة على تمويل المشاريع التنموية القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.
رابعاً- اعتماد سوق العمل على القطاع العام المتضخم
ارتفع عدد موظفي الدولة بنحو 550 ألف موظف خلال ثلاث سنوات فقط، ليصل إلى نحو 4.55 مليون موظف. ورغم مساهمة هذا التوسع في تخفيف الضغوط الاجتماعية والحد من البطالة على المدى القصير، فإنه أدى إلى زيادة الأعباء المالية طويلة الأجل على القطاع الحكومي، في مقابل ضعف قدرة القطاع الخاص على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
خامساً- اتساع الالتزامات الاجتماعية طويلة الأمد
شهدت برامج الحماية والرعاية الاجتماعية توسعاً ملحوظاً، خصوصاً مع تجاوز عدد المستفيدين الـ 7.6 مليون شخص وارتفاع كلفة الإعانات الاجتماعية إلى نحو 6 تريليون دينار سنوياً. وعلى الرغم من أهمية هذه البرامج في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، فإن توسعها المستمر يضيف أعباء تشغيلية متزايدة على الموازنة العامة ويحد من مرونة السياسة المالية مستقبلاً.
سادساً- تزايد الاعتماد على الاقتراض الداخلي
شهد العراق ارتفاعاً واضحاً في حجم الدين الداخلي، حيث بلغ إجمالي الاقتراض الداخلي “الجديد” خلال الفترة 2023–أبريل 2026 نحو 46.035 تريليون دينار، في حين استقر رصيد الدين الداخلي عند 96.629 تريليون دينار بعد تسديد 19.910 تريليون دينار من الالتزامات القائمة.
ورغم أن العراق لا يزال يمتلك احتياطيات نقدية كبيرة نسبياً، فإن ارتفاع الدين الداخلي بهذه النسبة يعكس توسع الإنفاق الحكومي بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات المستدامة، كما يشير إلى تزايد اعتماد المالية العامة على أدوات الاقتراض المحلي لسد الفجوات التمويلية المتعلقة بالالتزامات التشغيلية والاستثمارية.
سابعاً – محدودية التنويع الاقتصادي وضعف القطاعات الإنتاجية
على الرغم من إطلاق مشاريع مهمة في قطاعات البنية التحتية والطاقة، فإن الاقتصاد لم يشهد تحولاً هيكلياً ملموساً في قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والصادرات غير النفطية. كما ظل النشاط الاقتصادي في قطاعات التجارة والخدمات والمقاولات مرتبطاً بدرجة كبيرة بالإنفاق الحكومي، ما حدّ من قدرته على تحقيق نمو مستقل ومستدام.
ثامناً – ضعف مساهمة القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي
بقي القطاع الخاص يعتمد بصورة كبيرة على العقود الحكومية والإنفاق العام، الأمر الذي قلّص دوره في خلق القيمة المضافة والإنتاج الحقيقي. ولم يتطور بعد إلى قطاع قادر على قيادة النمو الاقتصادي أو تنويع مصادر الدخل الوطني، ما أبقى العلاقة بين النشاط الاقتصادي والإنفاق الحكومي علاقة وثيقة يصعب فصلها. فالقطاع الخاص يتحرك في محيط الدولة، لا بعيداً عنها. وهنا تبدو المفارقة الأساسية: فقد بدا الاقتصاد العراقي وكأنه ينمو، لكنه في العمق كان يراكم هشاشة مالية.
ورغم الإجراءات المتخذة لدعم بيئة الأعمال، بقي القطاع الخاص مرتبطاً بدرجة كبيرة بالإنفاق الحكومي والعقود العامة. فالمقاول الذي يعتاش على العقد الحكومي لا يمكن اعتباره قطاعاً خاصاً منتجاً بالمعنى الاستراتيجي، والشركة التي تنتظر التخصيصات لا تقود اقتصاداً جديداً. لذا فإن العراق يحتاج اليوم إلى قطاع خاص ينشط في الصناعة و الزراعة والتجارة، لا قطاعاً خاصاً يدور في فلك الدولة.
تاسعاً – خلل واضح في ترتيب الأولويات
فالتعامل مع الوفرة النفطية تم باعتبارها فرصة للتوسع السريع، لا فرصة لبناء احتياطي مالي وإصلاح هيكلي. وكان الأجدر أن تُستخدم سنوات الوفرة لتقليل الاعتماد على النفط، لا لتعميقه عبر التزامات جديدة. وبالتالي لم تُستثمر سنوات ارتفاع أسعار النفط بالشكل الكافي لبناء صناديق ادخار سيادية أو تعزيز الاحتياطيات المالية طويلة الأجل أو تنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة.
عاشراً- مساهمة ضعيفة للإيرادات غير النفطية
على الرغم من نمو الإيرادات غير النفطية نتيجة تطوير أنظمة الجباية والدفع الإلكتروني وتحسين إجراءات التحصيل، فإن مساهمتها بقيت محدودة مقارنة بحجم الإنفاق العام، وظلت أقل من المستوى المطلوب لبناء مالية عامة متوازنة وقادرة على تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات.
التحديات الاقتصادية التي تواجه حكومة الزيدي:
ومن هنا، تواجه الحكومة العراقية الجديدة بقيادة السيد علي الزيدي تحدياً اقتصادياً بالغ التعقيد. فالعراق لا يقف أمام أزمة انهيار مالي فوري، لكنه يواجه ضغوطاً متزايدة تتعلق بالاستدامة المالية وهيكل الاقتصاد ومستقبل سوق العمل.
ويشكل ضغط السيولة اختباراً حقيقياً لقدرة الخزينة على توفير الأموال اللازمة لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية والالتزامات التعاقدية في مواعيدها، حتى وإن كانت الدولة تمتلك أصولاً واحتياطيات مالية كبيرة.
ورغم السيطرة على التضخم إلا أنه يوجد خشية حقيقية في أن تؤدي أية إجراءات استثنائية لمعالجة نقص الإيرادات إلى موجة تضخمية جديدة. فأية سيولة إضافية في الاقتصاد دون أن يقابلها زيادة حقيقية في الإنتاج ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية للمواطنين لا محالة.
وتشكل مسألة ارتفاع الدين الداخلي وتضخم الإنفاق التشغيلي مع استمرار الاعتماد على النفط وضعف القطاع الخاص عوامل تجعل الاقتصاد أكثر حساسية للصدمات الخارجية، سواء كانت صدمات نفطية أو جيوسياسية أو مالية.
ملامح المرحلة المقبلة
لذا فالمرحلة المقبلة تتطلب إعادة توجيه الاقتصاد العراقي تدريجياً نحو نموذج أكثر استدامة ينتقل بالدولة من منطق إدارة الوفرة إلى منطق إدارة المخاطر ، خصوصاً خلال المرحلة الراهنة. ويحتاج الاقتصاد العراقي إلى برنامج واضح يقوم على قواعد أساسية هي:
- لا توسع في الرواتب دون ارتفاع حقيقي في الإنتاج.
- لا اقتراض بلا عوائد مالية تتحقق من ذلك.
- لا مشروع بلا شفافية.
- لا دعم بلا استحقاق
- ولا استثمار بلا نقل للمعرفة وتشغيل للعراقيين.
أما الخطوط العريضة فتحددها المحاور التالية:
المحور الأول: ضبط المالية العامة
من الطبيعي جداً أن تقوم حكومة الزيدي بإجراء مراجعة شاملة للإنفاق العام خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عمرها. وهذا لا يعني وقف الرواتب أو المساس بالفئات الضعيفة، بل وقف التوسع غير المنضبط، ومراجعة العقود التي أضيفت خلال السنوات الماضية، مع منع ازدواجية الرواتب والرواتب الوهمية.
كما ينبغي وضع سقف واضح للعجز والدين، ومنع استخدام الاقتراض لتمويل الإنفاق الجاري. فالاقتراض يجب أن يرتبط فقط بمشاريع ذات عائد اقتصادي واضح، أما تمويل الرواتب بالقروض فهو توجه خطير يؤدي إلى أزمة أعمق.
وفي هذا السياق، تطرح مسألة إعادة هيكلة بعض الأصول الحكومية ذات النشاط الإنتاجي أو تحويل ملكيتها لتسوية جزء من الالتزامات المالية المتراكمة عليها.
المحور الثاني: إعادة هيكلة الرعاية الاجتماعية
يجب أن تتحول منظومة الرعاية الاجتماعية من باب الإنفاق المفتوح إلى نظام حماية ذكي مبني على أساس قاعدة بيانات موحدة تربط البطاقة الوطنية بالدخل والعقارات والرواتب والضرائب والمصارف لحماية الفقراء المستحقين وشطب من لا يستحقها.
وفي هذا الإطار يجب أن يحول جزء من برامج الرعاية إلى برامج تمكن كل من يستطيع العمل بالحصول على دعم مشروط بالتدريب والتعليم المهني أو الاندماج في سوق العمل. وهنا فإن الهدف والتركيز يجب أن لا يكون على تقليص الحماية، بل منع تحولها إلى اعتماد دائم على الدولة.
المحور الثالث: تحقيق ثورة في الإيرادات غير النفطية
إن السعي لرفع الإيرادات غير النفطية تدريجياً يجب أن يرتقي إلى مستويات تغطي جزءاً مهماً من الإنفاق الجاري. إن تحقيق هذا الأمر يتطلب استراتيجية وطنية لتعظيم الإيرادات في معظم القطاعات غير النفطية مثل أتمتة الجمارك بالكامل، وربط المنافذ الحدودية بمنصة مركزية، وإلغاء الإعفاءات غير المبررة، والتوسع في مجال الدفع الإلكتروني بالإضافة إلى فرض ضريبي عادل و كفوء يميز بين الأنشطة الكبرى التي تحقق أرباحاً عالية والمشاريع الاقتصادية المتوسطة و الصغيرة. فالإصلاح الضريبي يجب أن يحد من التهرب الذي يخسر الدولة مليارات الدولارات. فخلال العقد الأخير بلغ المتوسط التراكمي لمساهمات الإيرادات الضريبية 4.5% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة في حين أن المتوقع تحصيله 20% من حجم الناتج المحلي الإجمالي.
المحور الرابع: تحويل مشاريع البنية التحتية إلى اقتصاد إنتاجي
فالمشاريع التي تجاوزت نسب إنجاز عالية يجب استكمالها وربطها بالخطة الاقتصادية، أما المشاريع الجديدة يجب ألا تُقر إلا بدراسة جدوى ومناقصة شفافة، وسقف كلف واضح. فتطوير البنى التحتية ليست غاية بذاتها؛ وإنما تستمد قيمتها الحقيقية من خفضها لكلف الإنتاج وربطها بالأسواق، إضافة إلى خلق الوظائف وجذب الاستثمارات الفعلية.
المحور الخامس: الطاقة كقاعدة للتحول الاقتصادي
قطاع الطاقة هو أساس الاقتصاد العراقي ويجب أن يكون في قلب البرنامج الاقتصادي للحكومة الجديدة. فلا صناعة من دون كهرباء مستقرة وغاز مستثمر وشبكات فعالة. لذلك يجب إعطاء الأولوية لاستثمار الغاز المصاحب واستكمال الربط الكهربائي، وتوسيع الاستثمار في الطاقة الشمسية لتقليل كلفة استيراد الكهرباء و الغاز لتوليد الطاقة و التي تستنفذ مليارات الدولارات من الموازنة سنوياً. كما يجب إصلاح الجباية تدريجياً مع حماية الفئات الفقيرة لحماية محدودي الدخل، مع إلزام المقتدرين بالدفع مقابل الخدمة.
المحور السادس: تشجيع القطاع الخاص المنتج
على الحكومة الجديدة أن تمنح القطاع الخاص المنتج ميزات تحفيزية تقلل من الروتين و البيروقراطية في إجراءات تسجيل الشركات و تحمي المستثمر من الابتزاز الإداري والأمني، وربط أي إعفاء أو امتياز بتشغيل اليد العاملة العراقية ونقل المعرفة والإنتاج المحلي. وهذا يرتبط ليس فقط بضرورة إنشاء مناطق صناعية مجهزة بالكهرباء والغاز والخدمات، بل بتأسيس صندوق ضمان قروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتخصيص جزء من المشتريات الحكومية للشركات العراقية المنتجة.
المحور السابع: إصلاح المصارف
لا يمكن بناء قطاع خاص بلا مصارف قادرة على التمويل. لذلك يجب إعادة هيكلة المصارف الحكومية الكبرى، وفصل القرار المصرفي عن النفوذ السياسي، وتحويل الائتمان من تمويل الاستهلاك والعقود إلى تمويل الإنتاج. كما يجب دعم المصارف الخاصة الجادة، وتشديد الرقابة على التحويلات، وتطوير أدوات التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة.
المحور الثامن: مكافحة الفساد من بوابة العقود
يجب وقف إحالة المشاريع إلى شركات بلا سجل تنفيذي حقيقي، ومنع تضارب المصالح بين المسؤولين والمقاولين والممولين السياسيين. لذا يجب أن تتغير طريقة التعاقد وأن يتم نشر العقود الكبرى، وإعلان المستفيد النهائي من الشركات، واعتماد منصة إلكترونية موحدة للمناقصات، بالإضافة إلى مقارنة كلفة المشاريع عراقياً وإقليمياً لمحاربة الفساد والحد من إمكانية حدوثه.
لقد أثبتت التجربة الاقتصادية العراقية خلال السنوات الثلاث الماضية أن ارتفاع الإنفاق وإطلاق المشاريع يمكن أن يحرك الاقتصاد على المدى القصير، لكنه لا يكفي وحده لبناء اقتصاد مستدام. فالأمر لا يتحقق فقط عبر الموازنات الانفجارية أو زيادة عدد المشاريع، بل عبر تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز الإيرادات المستدامة، مع تقليل الاعتماد على النفط، وتحويل النمو الاقتصادي من نمو مدفوع بالإنفاق إلى نمو مدفوع بالإنتاج والاستثمار الحقيقي.
المحور التاسع: التحول من موازنة البنود إلى موازنة البرامج والأداء
تمثل موازنة البرامج والأداء أحد أهم الإصلاحات الهيكلية التي يمكن أن تتبناها حكومة الزيدي. فبدلاً من توزيع الموارد وفق أبواب تقليدية، يتم ربطها بأهداف اقتصادية قابلة للقياس، مثل زيادة الإيرادات غير النفطية ودعم القطاع الخاص أوخلق فرص عمل. وبذلك تتمكن حكومة الزيدي من توجيه الموارد نحو الأنشطة ذات العائد الأعلى، وتعزز الشفافية والمساءلة من خلال تقييم أداء المؤسسات على أساس النتائج المتحققة وليس حجم الإنفاق. وبذلك تشكل أداة عملية للانتقال التدريجي من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد التنموي الأكثر إنتاجية وتنوعاً.
المحور العاشر: توظيف العلاقات الإقليمية والدولية لخدمة أهداف التنمية والتنويع الاقتصادي
إن نجاح البرنامج الاقتصادي لحكومة الزيدي لا يعتمد فقط على الإصلاحات الهيكلية الداخلية في الاقتصاد العراقي بل على قدرتها في تحقيق التوازن في علاقات العراق الدولية والاستفادة من موقعه الاستراتيجي لجعله مركزاً إقليمياً للتجارة والنقل والاستثمار. لذا فإن تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية وإبرام اتفاقيات تجارية واستثمارية مع الشركاء الإقليميين والدوليين، يجب أن يكون في صلب اهتمامات الحكومة الجديدة بالتعاون مع وزارة الخارجية لجذب الاستثمارات النوعية، وتوسيع الصادرات غير النفطية. هناك العديد من المشاريع الاستراتيجية التي قد تعتبر فرصاً مهمة للمنطقة مثل طريق التنمية والبنية التحتية للطاقة بالإضافة إلى المناطق اللوجستية والصناعية. وبذلك تصبح العلاقات الخارجية أداة اقتصادية فاعلة تدعم تنويع مصادر الدخل وتقلل الاعتماد على النفط وتعزز النمو المستدام.
خارطة الطريق
وفي مواجهة تحدي التراجع الحاد في الإيرادات العامة للدولة باشرت حكومة الزيدي دراسة مجموعة من الخيارات المالية والنقدية الرامية إلى احتواء الضغوط الناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية. فخلال الأسابيع الأولى من عمر هذه الحكومة توصلت إلى اتفاق مع كل من حكومة الإقليم و الشركات النفطية العاملة في العراق على عودة الصادرات النفطية من حقول كردستان. وقد وفر هذا الأمر صادرات قد تصل إلى 770 ألف برميل يومياً ستشكل مورداً مالياً مهماً في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز.
بالإضافة إلى ذلك فهناك حديث عن نية جادة في طرح مسألة رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، كأحد الخيارات التي توفر للحكومة إيرادات إضافية، لكن هذا الخيار في المقابل، سيكون له آثار مباشرة على أسعار السلع المستوردة التي يعتمد عليها السوق العراقي بصورة كبيرة. و ما لم يترافق ذلك مع حماية للفئات ذات الدخل المحدود والفقراء، فإنه قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الدخل الحقيقي للأسر. لذا فإن اللجوء إلى تعديل سعر الصرف لا ينبغي أن يكون الخيار الأول، وأن يتم اتخاذ هذا الإجراء بعد استنفاذ الأدوات الأخرى كجزء من برنامج إصلاح اقتصادي شامل، وليس مجرد وسيلة لسد عجز مؤقت.
كما تشكل عملية إصدار السندات الحكومية أحد وسائل التمويل السريعة ولكنها لا تصلح كأداة طويلة الأمد، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بكيفية ساتخدام الأموال المقترضة لتغطية نفقات تشغيلية بدلاً من تمويل مشاريع إنتاجية.
بالإضافة إلى ذلك يبدو أن حكومة الزيدي ماضية في استعادة الأموال التي خسرتها الدولة العراقية بسبب الفساد والتي تقدر في عدد من التقارير الدولية بما لا يقل عن 150 مليار دولار.
وتراهن حكومة الزيدي على زيادة حجم الاستثمارات الأجنبية إلى العراق بما يقدر بـ 50 مليار دولار. لكن هذه المهمة لن تكون بهذه السهولة خصوصاً و أن الاقتصاد العالمي يعاني من ارتفاع حالة اللايقين و انتقائية أصحاب رؤوس الأموال الذين أصبحوا أكثر حدية مما مضى. وهنا يجب أن تفكر حكومة الزيدي بالضمانات التي ستقدمها للمستثمرين والقوانين التي تحميهم وأن توفر الفرص التي تحقق عوائد اقتصادية مجدية بما يحصل قدراً جيداً من السيولة ويحرك عجلة الاقتصاد المتلكىء.
وقد تساعد هذه الإجراءات في تخفيف بعض الضغوط لكنها لن تكون كافية لسد الفجوة المالية الكبيرة والمفاجئة من نقص الإيرادات.
لذا فإن إعادة ترتيب الأولويات المالية كتجميد أو تأجيل المشاريع غير العاجلة، لصالح تأمين الرواتب والخدمات الأساسية والأمن والطاقة قد تكون إجراءً مهماً يستطيع أن يوفر مليارات الدولارات دون الحاجة إلى اقتراض إضافي أو اتخاذ إجراءات نقدية قد تزعزع الاستقرار الاقتصادي.
وتتدارس حكومة الزيدي بيع المؤسسات العامة القديمة و المنهكة تحت ضغط الأزمة ما قد يكون فرصة لتحسين كفاءة المؤسسات الأخرى ويخفف العبء الثقيل عن الموازنة. ويشترط أن يتم ذلك ضمن إطار اقتصادي واضح وشفاف معتمد على تقييم حقيقي للأصول، وعدم بيعها بأسعار تقل عن قيمتها الفعلية نتيجة الضغوط المالية الآنية. ولتفادي الخصخصة السريعة، يمكن للحكومة اعتماد نموذج “تسييل الأصول” عبر منح حقوق التشغيل أو الشراكة أو الاستثمار طويل الأجل في بعض الأصول غير المستغلة، تجنباً لخسارة الدولة جزءاً كبيراً من القيمة الحقيقية لأصولها.
إن الحلول السريعة التي تبحث عنها حكومة الزيدي تتطلب اتباع عدة مسارات في آن واحد. المسار الأول اقتصادي يتطلب تنسيقاً بين كل الوزارات و المؤسسات لترتيب أولويات الإنفاق واتباع خطة ترشيد منتجة بالإضافة للاستفادة من الإيرادات غير النفطية.
أما المسار الثاني فهو سياسي يحتاج إلى تعاون وتنسيق عراقي-عراقي لحل الأزمات السياسية المحلية، بالإضافة إلى تعاون إقليمي يتولاه فريق من الخبراء القادرين على إقناع الشركاء الدوليين بضرورة تقديم الدعم العاجل للعراق و الاستثمار في سوقه الواسعة و الواعدة.
إن نجاح حكومة الزيدي لا يتوقف على قدرته في إيجاد حل سريع لأزمة السيولة وحسب، بل على قدرته في تحويل الأزمة الحالية من صدمة مالية إلى فرصة تعيد هيكلة النموذج الاقتصادي برمته وتكسر الحلقة التاريخية للاقتصاد الريعي.
المصادر:
وزارة المالية العراقية، دائرة الدين العام، الموقف المالي للديون الداخلية والخارجية حتى 30 نيسان 2026. https://mof.gov.iq/en
البنك المركزي العراقي https://cbi.iq
وزارة العمل و الشؤون الاجتماعية https://securegateway.com/


