سنجار، أو شنكال كما يسميها أهلها، ليست مجرد قضاء أو مدينة، بل جرح عراقي عميق طال انتظاره وتراجيديا إنسانية عالمية وصلت قصتها إلى أقاصي الأرض. من خلال معاناة أهلها وصلت مأساة الشعب العراقي بمختلف مكوناته إلى العالم، سواء في صموده أمام الإرهاب أو في مواجهة جرائم دولية وعلى رأسها الإبادة الجماعية. وبصوت الإيزيديين والضحايا العراقيين شكلت الأمم المتحدة فريق «يونيتاد» الذي أقر قانونياً بارتكاب تنظيم داعش جريمة الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين، لتُدوَّن بذلك ليس فقط مأساة الإيزيديين بل مأساة العراق بأكمله. ومن خلال هذا الصوت حصل العراق على أول جائزة نوبل للسلام، التي لم تكن تكريماً لفرد فحسب بل اعترافاً بمعاناة شعب بأكمله.
الإيزيديون في العراق ليسوا مكوناً صغيراً رغم التأثير الكبير للهجرة، خاصة بعد عام 2014، حيث هاجر أكثر من 150 ألفاً من مناطقهم. ومع ذلك لا يزال يعيش في العراق أكثر من 600 ألف إيزيدي يسكنون مناطق جغرافية مهمة واستراتيجية مثل سنجار وسهل نينوى ودهوك، ويمثلون ما يقارب 2% من سكان العراق. ولا تقتصر أهميتهم على عددهم أو موقعهم الاستراتيجي، بل تمتد إلى مساهمتهم الثقافية الغنية وهويتهم الفريدة وتاريخهم الممتد لآلاف السنين.
دخل الإيزيديون العالم من باب جراحهم، واعترفت دول عديدة بإبادتهم الجماعية، من بينها قوى كبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولندا وأستراليا وكندا وغيرها. وقدمت حكومة مصطفى الكاظمي اول مشروع قانون يدين الإبادة الجماعية الذي لحق بالآيزيديين وتركمان تلعفر من الشيعة، وهو القانون الوحيد في العراق وربما في الشرق الأوسط الذي يدين عمليات الإبادة الجماعية. ونتيجة هذه الحملات التي شنتها بالأساس النخبة والجالية الآيزيدية في المهجر، ومع ازدياد الوعي العالمي بقضيتهم بعد أن كانوا نسبيا شعباً منغلقاً على نفسه أصبحوا اليوم يمتلكون أصدقاء ومناصرين في دول عديدة، وتحظى قضيتهم باهتمام كبير في الأوساط الدولية. وإلى جانب الجالية الإيزيدية الكبيرة في المهجر التي يقدر عدد أفرادها بنحو نصف مليون نسمة، يمثل الإيزيديون اليوم جسراً حقيقياً يربط العراق بالعالم، ومن الممكن أن يلعبوا دوراً بارزاً في بناء جسور التواصل مع المجتمع الدولي وفي إعادة بناء العراق وإعادة إعمار المجتمع الإيزيدي ومناطقه المدمرة.
يمكن تلخيص مسار التعافي من الإبادة بنتائج مختلطة بين الإيجابي والسلبي. فلا يزال مصير أكثر من 2600 إيزيدي وإيزيدية مجهولاً بعد اثني عشر عاماً من الاختطاف والأسر، ولا يزال أكثر من نصف الشعب الإيزيدي نازحاً في 15 مخيماً في إقليم كردستان. كما أن سنجار وناحية الشمال التابعة لها لا تزالان بلا إدارة محلية مستقرة، والتحدي الأكبر يتمثل في الوضع الأمني الذي لا يزال قائماً حيث تخضع سنجار لصراعات إقليمية ودولية وداخلية متداخلة. ولم يُدفع سوى 5 إلى 10% فقط من تعويضات الأهالي والنازحين، كما لم تتم إعادة رفات ضحايا الإبادة إلى ذويهم إذ لا تزال مخزنة مع آلاف الرفات العراقيين في دائرة الطب العدلي ببغداد دون دعم أو موازنة كافية.
لم تكن اتفاقية سنجار مقبولة من اغلبية الشارع الإيزيدي ولا تزال كذلك حتى اليوم. ويربط كثير من الإيزيديين تنفيذها بعودة الظروف إلى ما قبل 2003. غير أن هذه القراءة ليست دقيقة إذا عدنا إلى نص الاتفاقية، إذ لم تتضمن عودة المظاهر المسلحة لما قبل 2014 مهما كانت مصدرها، بل نصت الاتفاقية على إخراج قوات البككا والميليشيات، وإدارة سنجار بالتنسيق مع إقليم كردستان. وفي الحقيقة افتقرت هذه الخطوات إلى الواقعية السياسية والأمنية على الأرض كما افتقرت إلى الدعم الشعبي الواسع والضغط السياسي اللازم لإنجاحها.
فسنجار لم تعد ورقة مهمة للكرد سياسياً أو جيوسياسياً كما كانت سابقاً بل أصبحت ورقة تفاوضية فحسب. أما الإيزيديون فلا يزالون ورقة انتخابية مهمة رغم تراجع أهميتها النسبية بشكل ملحوظ، خاصة بعد حصول تحالف القضية الإيزيدية على أكثر من نصف أصوات الإيزيديين بما في ذلك آلاف الأصوات من المخيمات.
أمنياً لا تزال سنجار في قلب العلاقة التركية-العراقية-الأمريكية. فالأتراك يريدون سنجار خالية من البككا بينما يريد الأمريكيون سنجار خالية من الحشد الشعبي بالدرجة الأولى ومن البككا بدرجة مهمة أيضاً إرضاءً لتركيا وتماشياً مع السياسات التي يفرضها توم باراك في المنطقة. وقد أوقفت الحرب الإيرانية-الأمريكية حرباً شبه مؤكدة في سنجار. ففي شهر آذار المنصرم أعطت الدولة العراقية مهلة لتنظيم اليبشا، وهو تنظيم إيزيدي محلي يزعم معارضوه ارتباطه فكرياً وتنظيمياً بالبككا، وكذلك للبككا نفسها لإلقاء السلاح ومغادرة القضاء أو مواجهة القوات العراقية التي كانت تستعد لفرض السيطرة عسكرياً.
ومع أن الحرب في المنطقة والمفاوضات بين الطرفين حالت دون وقوع حرب إلا أن الاندماج لم يكتمل بعد. ويفضل الشارع الإيزيدي اندماج القوات المحلية في المؤسسات الرسمية الفيدرالية والتفاهم مع البككا وإخراجهم عبر التفاوض، لأن بديل الحرب قد يخلق أزمة إنسانية وموجة نزوح جديدة تقود الى إفراغ سنجار من سكانها مرة أخرى. وعلى ما يبدو فإن القيادة العراقية أيضاً تعول على حل تفاوضي يجنب البلاد نزف الدماء العراقية وإنفاق أموال طائلة على حرب داخلية.
كما أن التغييرات التي طرأت على سوريا وكسر خط التواصل بين جبل سنجار والطرف السوري وقوات سوريا الديمقراطية تفرض ديناميكية جديدة وضغوطاً مناسبة يمكن للحكومة العراقية الاستفادة منها. غير أن ذلك يتطلب توفير التزامات مالية وقرار سياسي واضح عبر توفير فرص لاحتواء المقاتلين والتفاوض الجاد لحل ملف البككا والقوات المحلية.
رؤيتنا ورؤية أغلب الإيزيديين وأهل سنجار عموماً هي أن يكون الملف الأمني في القضاء بعيداً عن التدخل والتأثير السياسي الداخلي أو الجيوسياسي الخارجي وأن يكون أمن أهل المنطقة بأيدي أهلها لكسب ثقة إضافية في المنظومة الأمنية. وذلك خاصة أن ذاكرة الإيزيديين وأهل سنجار عامة لا تزال مثقوبة من انسحاب 2014 والفشل الأمني الذي مهد لارتكاب الإبادة الجماعية.
إدارياً هناك فرصة كبيرة أمام رئيس الوزراء الجديد لحل هذه القضية عبر تسوية شاملة وتوفير الأرضية لتفاهم سياسي في مجلس محافظة نينوى وتعيين قائمقام ومدير ناحية الشمال وإعادة المؤسسات المدنية إلى عملها الطبيعي خاصة أن نصفها لا يزال في المواقع البديلة.
يمكن أن يشكل إعادة إعمار قضاء سنجار بشكل شامل وتحويله إلى نموذج يحتذى به رسالة قوية إلى العالم أجمع مفادها أن العراق بلد الجميع وأن أقلياته ليست هامشية بل مكونات مهمة واستراتيجية في بناء الدولة ومستقبلها. فتحويل سنجار إلى منطقة آمنة ومزدهرة يثبت قدرة العراق على تجاوز أعمق الجراح واستعادة وحدته الوطنية على أسس العدالة والمساواة والاعتراف بالتنوع كقوة لا كضعف.
كغيرها من مناطق العراق، هناك حاجة ملحة إلى توفير فرص عمل مستدامة لآلاف السكان وإعادة الحياة الاقتصادية النابضة إلى القضاء وتحول التحديات الراهنة إلى فرص تنموية حقيقية تضمن استقرار الأهالي وتقلل من دوافع الهجرة أو النزوح المستقبلي
تُعد عودة النازحين إلى ديارهم وصرف التعويضات المستحقة لهم بشكل طارئ وسريع أولوية إنسانية ووطنية لا تحتمل التأجيل. إذ إن استمرار معاناة أكثر من نصف الشعب الإيزيدي في المخيمات يعيق أي جهد جاد للتعافي ويؤخر بناء الثقة بين المواطن والدولة.
يجب تشكيل فريق أمني وطني متخصص بالتعاون مع الجهات الدولية المعنية للبحث الجاد والمستمر عن المختطفين والمختطفات الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً بعد أكثر من اثني عشر عاماً. فهذا الملف الإنساني يظل جرحاً نازفاً يتطلب إرادة سياسية قوية وجهوداً مكثفة لإغلاقه وإعادة الأمل للعائلات المنتظرة.
كذلك لا بد من إزالة ما تبقى من المقابر الجماعية وإعادة رفات الضحايا إلى ذويهم بكل احترام وكرامة كخطوة رمزية وإنسانية أساسية نحو الشفاء الجماعي واستعادة الكرامة للضحايا وعائلاتهم الذين انتظروا هذه اللحظة سنوات طويلة.
يُعد الإسراع في بناء جامعة سنجار التي تمت الموافقة عليها استثماراً استراتيجياً بعيد المدى في مستقبل القضاء وأهله. فهذا الصرح التعليمي الجامعي سيفتح آفاقاً واسعة أمام الشباب الإيزيدي والعراقي في المنطقة ويوفر فرص التعليم العالي محلياً بدلاً من الاضطرار إلى الهجرة ويساهم في إعداد كوادر وطنية مؤهلة قادرة على قيادة عمليات الإعمار والتنمية المستدامة مما يحول سنجار إلى مركز تعليمي وحضاري يخدم غرب نينوى والعراق بأكمله.
يشكل التصدي للتصحر وشحة المياه في غرب نينوى تحدياً بيئياً ملحاً يمكن مواجهته من خلال بناء سدود صغيرة ومتوسطة لحصاد مياه الأمطار وإعادة تشغيل مشروع ري الجزيرة وتوسيعه. هذه الإجراءات المستدامة ستضمن توفير المياه اللازمة للزراعة والاستخدامات اليومية للسكان وتحارب التصحر الذي يهدد الأراضي الخصبة وتدعم القطاع الزراعي كمصدر أساسي للرزق والاستقرار الاقتصادي مما يشجع على عودة النازحين ويبني أساساً متيناً للحياة الكريمة والتنمية الزراعية في المنطقة.
وفي الختام احتواء الإيزيديين في صناعة القرار السياسي والإداري على المستويين المحلي والوطني والاستفادة الكاملة من قدرات وخبرات أبناء المكون في الداخل والمهجر الضمانة الحقيقية لنجاح أي تسوية أو مشروع إعمار. فالإيزيديون الذين أثبتوا صمودهم وولاءهم للعراق في أحلك الظروف يمتلكون طاقات وكفاءات كبيرة يمكن توظيفها بفعالية في خدمة الوطن سواء من خلال الكوادر السياسية والإدارية المحلية أو عبر الجاليات في الخارج التي تمثل جسراً حيوياً مع العالم ويمكن للعراق توظيفه لمصلحة العراق العليا.
تنويه: الآراء الواردة في هذه الورقة تعبر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي للمعهد.



