إقتصاد | سياسة | العراق

الشرق الأوسط ودبلوماسية المعادن النادرة

مع احتدام التنافس الدولي على موارد الطاقة والفرص والاسواق الجديدة التي خلقتها التكنولوجيا، تتجه بوصلة الاستثمار العالمي نحو خارطة جديدة لسلاسل التوريد الحيوية. وتبرز منطقة الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي تحديداً كركيزة استراتيجية في مسار هذا التحول. فهذه المنطقة المعروفة بدورها التقليدي كمورد أساسي للنفط والغاز تنتقل اليوم لتكون مركزاً مهماً لمعادن المستقبل كالليثيوم […]

مع احتدام التنافس الدولي على موارد الطاقة والفرص والاسواق الجديدة التي خلقتها التكنولوجيا، تتجه بوصلة الاستثمار العالمي نحو خارطة جديدة لسلاسل التوريد الحيوية. وتبرز منطقة الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي تحديداً كركيزة استراتيجية في مسار هذا التحول. فهذه المنطقة المعروفة بدورها التقليدي كمورد أساسي للنفط والغاز تنتقل اليوم لتكون مركزاً مهماً لمعادن المستقبل كالليثيوم والنيكل والكوبالت والعناصر النادرة الأخرى، التي تشكل العصب الرئيسي في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والحوسبة الفائقة والصناعات الدفاعية المتقدمة.

ويتوقع أن ينمو الطلب العالمي على المعادن بـ 200 – 400% بحلول 2040، في حين تتركز معالجتها في أسواق محددة. فالصين تسيطر على أكثر من 70% من قدرات تكرير المعادن النادرة عالمياً وما يقارب 60% من معالجة الليثيوم. ومن هنا تأتي أهمية المنظومة الخليجية لتكون جسراً مهماً بين المناجم الغنية بالمواد الخام في أفريقيا وآسيا الوسطى واللاتينية، وبين أسواق الاستهلاك والاستخدام النهائي في كل من الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

كما يعزز هذا التحول موقع دول الخليج العربي وينقلها من مناطق نفوذ أو استهلاك للتكنولوجيا إلى شريك حقيقي ولاعب مهم في مجال الأمن الصناعي القومي للدول. فالشراكات الاقتصادية التي ابرمتها هذه الدول مع أطراف دولية متعددة عزز من حضور المنطقة الاستثماري وحول تحالفاتها الاقتصادية إلى شبكات من الأمان الاقتصادي و السياسي على حد سواء. 

ففي المملكة العربية السعودية يتوقع أن ترتفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي وحده إلى 75 مليار دولار بحلول عام 2030. ما يعني أن هذا القطاع سيشكل مصدراً أساسياً في تنويع مصادر الدخل و تقليل الاعتماد على تقلبات أسعار النفط.

كما تسهم هذه الاستراتيجية في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتحفيز القيمة المضافة عبر إنشاء صناعات تحويلية محلية بدلاً من تصدير المواد الخام؛ وهو ما يتجلى في مشاريع واقعية مثل إنشاء مجمعات تكرير هيدروكسيد الليثيوم في مدينة الجبيل السعودية، ومنشآت معالجة النيكل والكوبالت في الموانئ الإماراتية والعمانية، وربطها مباشرة بقطاعات نهائية كصناعة السيارات الكهربائية وحزم البطاريات.

نموذج إقليمي لاستثمارات واعدة

وتدير الصناديق السيادية الخليجية أصولاً تتجاوز 4.5 تريليون دولار، ضُخ جزء منها في صفقات استحواذ عالمية نوعية كاستثمار شركة “منارة المعادن” السعودية في قطاع المعادن الأساسية بشركة “فالي” البرازيلية لتأمين النحاس والنيكل، والتحركات الاستثمارية لشركة “مبادلة” و”IHC” الإماراتية في مناجم النحاس والكوبالت في أفريقيا واللاذقية في سوريا. يأتي ذلك بالتوازي مع وجود ثروة معدنية محلية غير مستغلة تُقدر بأكثر من 1.3 تريليون دولار في السعودية وحدها. يضاف إلى ذلك استثمارات هائلة تتجاوز 100 مليار دولار في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، مما يوفر طاقة رخيصة ومنخفضة الانبعاثات لمعالجة المعادن بكلفة تشغيلية هي الأدنى عالمياً وببصمة كربونية شبه معدومة تلبي معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية الصارمة.

هذه الديناميكية المميزة في قطاع التعدين يمكن أن تكون منطلقاً لنموذج إقليمي عابر للحدود. فانتقال الخبرات ورؤوس الأموال الخليجية بالتعاون مع التكنولوجيا والشراكات الغربية بات يشكل مظلة قابلة للتمدد نحو دول إقليمية أخرى تضع تطوير الثروة المعدنية في صلب منهاجها الحكومي والإصلاحي. ويعتبر العراق نموذجاً حقيقياً لتطبيق هذه السياسة حيث تمتلك البلاد احتياطيات واعدة من الموارد غير النفطية، تقدر قيمتها السوقية الكامنة بأكثر من 16 تريليون دولار، بما فيها ثاني أكبر احتياطي عالمي من الفوسفات بأكثر من 10 مليارات طن، واحتياطيات ضخمة من الكبريت الحر ورمال السيليكا فائقة النقاوة. لذا فإن أي إدماج لهذه القدرات العراقية ضمن الشراكات والاستثمارات الخليجية والتقنيات الأمريكية سيكون له نتائج كبيرة ويفتح المجال لتحقيق عوائد سنوية مباشرة تصل إلى 5 مليارات دولار. كما يساهم ذلك في تشكيل حزام إقليمي موحد من الاستثمارات في قطاع المعادن، ما يرفع القيمة المضافة للخامات في الشرق الأوسط ويضمن تدفق إيرادات تنموية مستدامة خارج مظلة النفط.

المعوقات والتحديات وكيفية التغلب عليها

وتواجه هذه الفرص الاستثمارية الضخمة في قطاع المعادن جملة من التحديات و المعوقات التي يمكن التغلب عليها لكنها تحتاج إلى تعاون وتنسيق إقليمي دولي لتجاوزها بكلف وخطورة أقل لتحقيق عوائد وهوامش أعلى. فتقلب الأسعار العالمية للمعادن وانخفاض الإنفاق الاستكشافي عالمياً في بعض الفترات يمنع بعض المستثمرين من الدخول في هذا النوع من المخاطر. ويعتبر ذلك مصدر قلق إلا أنه يمكن مواجهته من خلال بناء مخزونات استراتيجية وتأسيس عقود توريد طويلة الأجل مع كبار المصنعين تقلل من عامل اللايقين وتمنح المستثمرين مزيداً من الثقة.

ويبرز أيضاً عامل التكنولوجيا والفجوة التعليمية خصوصاً في تقنيات فصل وتكرير العناصر النادرة المتقدمة التي تحتكر الصين جزءاً كبيراً من أسرارها المبتكرة. ويمكن معالجة هذا الأمر من خلال عدد من المشاريع المشتركة لنقل المعرفة واشتراط توطين التقنية مقابل ضخ رؤوس الأموال السيادية في الشركات العالمية. إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة فالولايات المتحدة تفرض قيوداً على نقل التكنولوجيا المتقدمة لأي شركاء يحتفظون بعلاقات تقنية عميقة مع الصين، ما يعني أن الأمر سينعكس على العلاقات المستقبلية بين هذه المنطقة واللاعبين الدوليين في هذا الإطار. وللتخفيف من التجاذبات السياسية يمكن لدول المنطقة تخصيص سلاسل إمداد متوافقة مع المعايير الغربية للصناعات الحساسة، لكنها لا تتعارض مع وجود شراكات مفتوحة في المجالات اللوجستية التقليدية.

أما المعايير البيئية الصارمة فهي أيضاً عامل مؤثر في هذا النوع من الاستثمار. فمعالجة المعادن هو من أكثر الأنشطة المستهلكة للمياه بكثافة، الأمر الذي يتعارض وطبيعة البيئة الصحراوية الجافة للمنطقة. وتفاقم معاناة القطاع الزراعي من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة من مخاطر هذا النوع من المشاريع. التغلب على هذا التحدي البيئي ممكن لكنه مكلف، حيث يمكن ذلك من خلال ربط مجمعات التكرير بمحطات تحلية المياه المعتمدة على الطاقة الشمسية والتقنيات الخضراء، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية المرتبطة بها.

ويبدو أن دول الخليج العربي، التي تغلبت على الكثير من التحديات، قد اختارت السير في هذا الطريق والاستفادة من ثرواتها ومعادنها بطريقة تحقق لها مستقبلاً مضموناً وآمناً. فالمجمعات الصناعية واللوجستية المتكاملة التي يجري تشييدها حالياً وارتباطها مباشرة بسلاسل قيمة متقدمة تصنع البطاريات والأجزاء الدقيقة محلياً قبل إعادة تصديرها، ما هي إلا دليل واضح على تقدم حقيقي نحو سلاسل قيمة جديدة في الاقتصاد العالمي.

المصادر

اشتــــرك فــــي نشرتنــــا البريديــــة

لموجــــزٍ حــــول أحــــدث الدراســــات والأوراق البحثيــــة والفعاليــــات.