حدد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الـ30 من أيلول موعداً لحصر السلاح بيد الدولة. ولا يمثل هذا التاريخ استحقاقاً أمنياً فحسب، بل اختباراً لمستقبل الدولة العراقية ونموذج الحكم فيها. فنجاح هذا المسار يعني ترسيخ سلطة الدولة وتعزيز قوة القانون، بينما قد يؤدي تعثره إلى تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود العراق.
وقد اكتسب الموعد أهمية أكبر بعد أن أبلغ الزيدي القادة السياسيين استعداده للانتقال إلى خيار المواجهة مع الفصائل التي تصر على الاحتفاظ بسلاحها بعد انتهاء المهلة. ويأتي ذلك في ظل تحولات إقليمية غير مسبوقة. فقد أعادت المواجهة الأمريكية–الإيرانية رسم موازين القوى في المنطقة، وأصبح ملف السلاح خارج إطار الدولة مرتبطاً ليس فقط بالأمن، وإنما أيضاً بمستقبل العراق وعلاقاته الدولية. كما أن الضغوط المالية التي يواجهها العراق، ورغبة واشنطن في ربط التعاون الاقتصادي بقدرة بغداد على فرض سيادة الدولة، جعلت هذا الملف أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ورغم موافقة عدد من الفصائل المسلحة على الدخول في ترتيبات لإعادة تنظيم أوضاعها، فإن فصائل أخرى ما زالت ترفض ذلك بصورة واضحة. فقد أكدت حركة النجباء أن سلاح “المقاومة” لا يمكن التخلي عنه قبل انسحاب القوات الأجنبية وضمان حماية العراق من أية اعتداءات خارجية. أما كتائب سيد الشهداء بقيادة أبو آلاء الولائي فقد اشترطت انسحاب القوات الأميركية، إقرار قانون الحشد الشعبي، تعزيز الدفاع الجوي، بسط سلطة القوات الاتحادية على كامل الأراضي والمنافذ، خروج القوات التركية وPKK وجماعات المعارضة الإيرانية من شمال العراق، وإنهاء ما وصفته بالهيمنة الأميركية على القرار المالي والسياسي. كتائب حزب الله بدورها رفعت سقف المواجهة السياسية مع الحكومة، عبر بيان أصدره مسؤولها الأمني أبو مجاهد العساف في 18 آب 2026، حيث استخدم لغة قاسية تجاه رئيس الحكومة علي الزيدي، مهدداً بأن “صبر الفصائل تجاه الشاب الزيدي” بدأ ينفد. وحدد العساف ثلاثة شروط قبل الدخول في أي تفاهمات تتعلق بتنظيم السلاح: الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق، وإخراج القوات التركية من شمال البلاد، وحل قوات البيشمركة باعتبارها، حسب وصفه، تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة. كما اتهم حكومة الزيدي بتنفيذ مداهمات بإشراف أمريكي، محذراً من استمرار ما وصفه بالأفعال الاستفزازية.
وتكمن خطورة هذا البيان في أنه يحول مهلة تسليم السلاح من مسار تفاوضي إلى أزمة مفتوحة. كما أن اتهام حكومة الزيدي بتنفيذ مداهمات بإشراف أمريكي يهيئ لبناء سردية تصور الأزمة باعتبارها مقاومة للنفوذ الأجنبي، بدلاً من كونها خلافاً حول سلطة الدولة واحتكارها للسلاح.
ورغم هذه التهديدات، يبدو أن حكومة الزيدي لا تستبعد خيار الصدام المباشر، خصوصاً أن القوات الأمنية العراقية تمتلك اليوم قدرات أفضل بكثير مما كانت عليه بعد عام 2003، مع وجود دعم دولي لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وقد ظهرت خطورة هذا الاحتمال قبل الوصول إلى مهلة الـ30 من أيلول نفسها. فبعد الضربات الأمريكية–السعودية التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي، هددت فصائل مسلحة بالرد، قبل أن يتدخل رئيس منظمة بدر هادي العامري ويدعوها علناً إلى التأجيل “من أجل مصلحة العراق العليا”، مع التعهد بمتابعة حقوق القتلى والجرحى عبر القنوات الدبلوماسية. واستجابت الفصائل للدعوة بتأجيل الرد إلى أجل غير مسمى، لكنها لم تتخلَّ، وفق تقارير لاحقة، عن قرار الرد من حيث المبدأ.
وتكشف هذه الحادثة عن معادلة شديدة الحساسية: فهناك قوى شيعية تمتلك علاقات وثيقة بالفصائل، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن انتقال المواجهة إلى السعودية أو المصالح الأمريكية قد يجر العراق إلى صراع إقليمي ويهدد مصالحه الاقتصادية والسياسية. ومن ثم، قد تلعب هذه القوى دور الوسيط بين الحكومة والفصائل بدلاً من الاصطفاف الكامل مع أي منهما.
الملفت للاهتمام أن هادي العامري وهو العضو في الإطار التنسيقي الشيعي نفسه قد وضع لاحقاً إطاراً مشروطاً ربط فيه نجاح ما اسماه “تنظيم السلاح” بتحقيق السيادة الكاملة وخروج القوات الأجنبية وإنهاء التدخلات الخارجية ونزع سلاح كل الجماعات التي تهدد دول الجوار وإقرار قانوني الحشد الشعبي وتعزيز الدفاعات الجوية وإخضاع المنافذ والأراضي كافة لسلطة الدولة بالإضافة إلى إنهاء ما وصفه بالعقوبات الاقتصادية “الظالمة” على البنوك والمصارف الأهلية العراقية و التدخل “السافر” بالشأن العراقي.
ويبدوا واضحاً من هذه الشروط أنها تنقل النقاش من سلاح الفصائل إلى شكل السيادة العراقية، ما قد يحول ملف حصر السلاح إلى قائمة شروط مفتوحة يصعب إنجازها قبل 30 أيلول، ويجعل الموعد قابلاً للتأجيل باستمرار.
وفي وقت لاحق انضم زعيم دولة القانون و رئيس الوزراءء العراقي الأسبق نوري المالكي إلى دعوات تنظيم السلاح مبيناً أن “مفردة النزع غير مستخدمة، لأن الطرف الآخر يصبح عنوانه منزوع السلاح، وهذا له أثر نفسي وعملي، لذلك (الأفضل) استخدام مفردة تنظيم واحتواء السلاح بطريقة لا تزال نبحث عنها… ثم هناك تمييز بين السلاح الثقيل، والمتوسط، والخفيف”.
وأشار المالكي إلى أن “التمييز بين السلاح هو واحد من الأمور المطروحة، فهل حفظ أو احتواء أو سحب، أو أي تسمية أخرى للعملية، يشمل كل سلاح، أم يشمل فقط نوعاً من السلاح الذي يعتبر سلاح استهداف داخلي وخارجي، وهذه سوف تحلها اللجنة المشكلة مع الفصائل”.
السلاح جزء من منظومة نفوذ أوسع
وتتذرع الفصائل الرافضة لتسليم أسلحتها بمعادلة الردع الإقليمية، معتبرة أن الدولة العراقية لم تستكمل بعد مقومات احتكار القوة. فالضربات الجوية التي تعرضت لها بعض مقرات الفصائل أظهرت الحاجة إلى منظومة دفاع جوي متكاملة بحسب رأي هذه الفصائل. كما أنها تربط سلاحها بالصراع الدائر في المنطقة، معتبرة أنه ورقة ضغط إقليمية مهمة وليست مجرد قضية عراقية داخلية.
ويطالب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الفصائل بتسليم ترسانة السلاح التي تضم ست فئات رئيسية موزعة على 12 قاعدة وموقعاً من البصرة إلى نينوى، تشمل الصواريخ القصيرة المدى والباليستية، والطائرات المسيّرة الهجومية والانتحارية، والراجمات والصواريخ غير الموجهة، فضلاً عن المدفعية والهاونات والأسلحة المضادة للدروع والعربات المدرعة والأسلحة الخفيفة. وتشير تقديرات أمريكية إلى امتلاك بعض الفصائل الرافضة لنزع السلاح ما لا يقل عن ثمانية صواريخ باليستية. لذا فإن جوهر خطة الحكومة لا يتعلق بجمع البنادق بقدر ما يتعلق بإنهاء قدرة أي فصيل على امتلاك قوة نارية استراتيجية تمكّنه من اتخاذ قرار الحرب أو استهداف دول أخرى بصورة مستقلة عن قرار الدولة.
وقد قدم الزيدي تصوراً أكثر وضوحاً للآلية التي تريد الحكومة اعتمادها. فالمطلوب لا يتوقف عند إعلان الفصيل قبوله بمبدأ حصر السلاح، وإنما يمتد إلى فك ارتباطه العسكري والتنظيمي وتسليم السلاح للدولة، ثم معالجة أوضاع عناصره ضمن المؤسسات الرسمية. وهذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن المشروع الحكومي يستهدف البنية العسكرية المستقلة للفصيل، وليس مجرد مخازن الأسلحة.
ولا تكمن صعوبة حصر السلاح بيد الدولة في نوعية الأسلحة والتشكيلات العسكرية للفصائل وحدها، بل في أن هذه الجماعات أصبحت جزءاً من المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق. فهي تمتلك اليوم شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة ومصالح اقتصادية وعلاقات عشائرية واسعة. لذا فإن التعامل معها يختلف عن أي تجربة تقليدية لنزع السلاح، وأي تصادم معها قد تمتد آثاره إلى داخل النظام السياسي نفسه.
وتزداد تعقيدات المشهد بسبب التداخل بين بعض الفصائل وهيئة الحشد الشعبي. وقد برز ذلك بوضوح بعد اعتقال عباس اليعقوبي، مسؤول وحدة الاستطلاع بحركة النجباء في 17 آب 2026، حيث تبين أنه يشغل أيضاً منصب مدير استخبارات قيادة عمليات حزام بغداد في هيئة الحشد الشعبي، قبل أن يتم إطلاق سراحه بعد ساعات بضغوط كبيرة مارسها قادة في الإطار التنسيقي.
كما أسفرت الضربات الجوية الأخيرة التي شنتها المقاتلات السعودية والأمريكية على مواقع الحشد عن مقتل عدد من عناصر الحرس الثوري الإيراني وجماعة أنصار الله اليمنية، ما يعكس البعد الإقليمي لهذه الفصائل.
لذا فإن مهمة حصر السلاح بيد الدولة لم تعد شأناً عراقياً فقط، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمن إقليمي أوسع. فالرياض التي أوفدت رئيس استخباراتها العامة خالد الحميدان إلى بغداد في ذروة التوتر مع الفصائل، تراقب باهتمام قدرة الحكومة العراقية على ضبط نشاط الفصائل ومنع استخدام الأراضي العراقية لتهديد دول الجوار، بما يوفر مناخاً أكثر استقراراً للاستثمارات الخليجية التي يسعى الزيدي إلى استقطابها.
غطاء سياسي واسع لحصر السلاح بيد الدولة
وفي تطور لافت، أصدر ائتلاف إدارة الدولة في 7 آب 2026 بياناً أكد فيه أن حصر السلاح بيد الدولة أصبح قانوناً نافذاً، وشدد على الالتزام بالتوقيتات المحددة ومنع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار أو زج العراق في صراعات لا تخدم مصالحه.
ويعكس البيان الصادر عن أكبر تجمع للقوى السياسية الحاكمة حزماً واضحاً في دعم مشروع حصر السلاح، لكنه يكتسب الآن دلالة أكبر كونه يؤمن غطاءً سياسياً واسعاً لحكومة الزيدي قبل الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة أكثر حزماً.
لكن رغم إجماع قوى الإطار التنسيقي الشيعية على حصر السلاح، فإنها تختلف حول طريقة التنفيذ. برز ذلك بصورة أوضح بعد تداول معلومات عن استعداد الزيدي لاستخدام القوة ضد الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها. إذ أصدر رئيس المكتب السياسي لمنظمة بدر بياناً اعتبر فيه أن هذه المعلومات، إن صحت، تمثل تجاوزاً كبيراً، مؤكداً رفض التعامل مع ما وصفه بـ”المقاومة” بهذه الطريقة، وداعياً الحكومة إلى عدم الانجرار خلف الموقف الأمريكي وإلى معالجة الملف بهدوء وتوافق.
ويعكس هذا الموقف تبايناً واضحاً بين الاتفاق على المبدأ والاختلاف على وسيلة التنفيذ. فبعض القوى الشيعية قد تؤيد حصر السلاح بيد الدولة، لكنها ترفض أن يتحول ذلك إلى عملية عسكرية. وهذا يدل على أن الغطاء السياسي الذي تحتاجه حكومة الزيدي قد يتراجع سريعاً إذا انتقلت من التفاوض والاحتواء إلى استخدام القوة.
ولا يقتصر الخلاف على طريقة تنفيذ حصر السلاح، بل يمتد إلى الإطار القانوني للعملية. فقد كشفت مناقشات الزيدي مع لجنة الأمن والدفاع النيابية في 11 آب عن صعوبة التوصل إلى صيغة توافقية داخل اللجنة لصياغة مشروع قانون حصر السلاح، لتنتهي المناقشات بتولي الحكومة إعداد المشروع وإحالته إلى البرلمان. وتبحث المناقشات التشريعية تعريف الأسلحة المشمولة، وآليات جرد المخازن وتسليمها والرقابة عليها، بالإضافة إلى مصير عناصر الفصائل وإمكانية استيعاب المتعاونين منهم في المؤسسات الأمنية أو وظائف حكومية أخرى.
وبحسب النائب عن دولة القانون عثمان الشيباني، فقد أبلغ رئيس الوزراء علي الزيدي نواب لجنة الأمن والدفاع خلال اجتماعه معهم أنه يشعر بأنه وحيد في حملة نزع سلاح الفصائل، مبيناً لهم أن فصائل معينة تريده أن يسلمها سلاح الدولة وأنه سيصارح الشعب بهذه الأمور. ونقل الشيباني أن رئيس الوزراء علي الزيدي قال: “إن كنت سأعدم وأقطع وأفجر لن يبق سلاح بعد الـ30 من أيلول المقبل، وأنا من سيكون في المواجهة وسأنزل للميدان، وبالمقابل سأرسل قانون الحشد الشعبي خلال أسبوعين ليصوت البرلمان عليه حفاظاً على حقوق الحشد. إذا لم أتمكن كقائد عام للقوات المسلحة من إعادة قطعة أرض لسيدة، سيطرت إحدى الجماعات المسلحة عليها، فنحن أمام خيارين إما أن نتصدى ونتبنى عملية التصحيح، أو أن نحذف نحن ومن يعادينا من المعادلة”.
ويعكس هذا الحديث إصرار رئيس الوزراء علي الزيدي على نزع سلاح الفصائل في الموعد المحدد حتى لو اضطر للدخول في مواجهة عسكرية. ولا يدعم هذا السيناريو حديث رئيس الوزراء فحسب، بل إن الزيدي أعطى بالفعل أوامره بتجهيز فرق عسكرية في الجيش العراقي يفوق عددها 106 آلاف مقاتل من أجهزة مختلفة، وذلك لمنع أي اعتداء تقوم به الفصائل المسلحة في معرض ردها على الضربات السعودية–الأمريكية التي استهدفت مقراتها، بحسب النائب الشيباني. وبالفعل فقد حصل اشتباك بين القوات الأمنية العراقية وأحد الفصائل خلال مداهمة أحد المواقع الذي تبين أنه مصنع للمسيّرات، انتهى بسحب مسيّرات كانت معدة لاستهداف مواقع سعودية. وبذلك منع الزيدي تصعيداً كان من الممكن أن يتحول إلى معركة إقليمية، خصوصاً مع تهديد كل من السعودية والولايات المتحدة بالرد حال تعرض مصالحهما لأي اعتداء من الأراضي العراقية.
تغير في الخطاب
غير أن الخطاب الحكومي شهد مؤخراً تحولاً يستحق التوقف عنده. فبعد أن حددت المهلة كموعد نهائي لتسليم السلاح واستخدمت مفردة المواجهة في عدة مناسبات، باتت حكومة الزيدي تركز بصورة أكبر على لغة الحوار “تنظيم السلاح”. المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي أكد أن سيناريو المواجهة مستبعد، وأن الحوار يشمل ستة فصائل، استجاب بعضها لحصر السلاح فيما تجري حوارات متقدمة مع الأخرى حول آليات التنفيذ.ولا يعني هذا بالضرورة تراجع الحكومة عن هدفها، بقدر ما يشير إلى انتقالها من رفع كلفة الرفض إلى البحث عن تسوية تحقق الهدف بأقل كلفة أمنية وسياسية ممكنة.
كما برز تطور سياسي آخر قد يقدم نموذجاً مختلفاً تماماً عن المواجهة. فقد وافق الإطار التنسيقي على انضمام شبل الزيدي، قائد كتائب الإمام علي ورئيس تحالف خدمات، إلى قيادة الإطار، بعد أن كانت كتائب الإمام علي من الفصائل التي وافقت على تسليم سلاحها للدولة. ويطرح هذا الأمر احتمال وجود نموذج للتسوية يقوم على انتقال قادة الفصائل من النفوذ العسكري المستقل إلى النفوذ السياسي داخل مؤسسات النظام.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال مع عصائب أهل الحق، التي وافقت هي الأخرى على مسار حصر السلاح، بالتزامن مع طرح اسم ليث الخزعلي، شقيق الأمين العام للعصائب قيس الخزعلي، لمنصب نائب رئيس الوزراء. وإذا تكرر هذا النموذج، فقد نكون أمام معادلة جديدة: التخلي عن الاستقلال العسكري مقابل استمرار المشاركة والنفوذ السياسي. وقد يفتح هذا التطور الباب أمام تسويات أخرى يمكن أن تجعل التحول السياسي بديلاً عن المواجهة المسلحة.
غير أن نجاح هذه المقاربة يتوقف على مضمونها لا شكلها. فإذا أدى انتقال قادة الفصائل إلى السياسة إلى تفكيك الهياكل العسكرية وتسليم مخازن السلاح وإخضاع التمويل والقيادة والقرار العملياتي للدولة، فإنه يمثل تحولاً حقيقياً. أما إذا اقتصر الأمر على تغيير الصفة السياسية مع الاحتفاظ بالقدرة العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن الدولة ستكون قد أعادت تنظيم مشكلة السلاح بدلاً من حلها.
واشنطن والضغط الاقتصادي
وتراقب الولايات المتحدة عن كثب ملف تسليم الفصائل لأسلحتها، حيث أبلغت الحكومة العراقية أنها تدقق هذه العملية بشكل كامل. ورغم حرص واشنطن على عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الفصائل، إلا أنها في ذات الوقت، لن تقبل باستهداف مصالحها أو حلفائها. ولسحب الذرائع التي تتحجج بها بعض الفصائل من دون أن يتم تبني منطقها، وافقت واشنطن على صفقة مروحيات للعراق بقيمة 800 مليون دولار، لتعزيز قدرات الدولة في النقل والاستطلاع والعمليات الجوية. كما أبلغت إدارة الرئيس ترامب قادة في إقليم كردستان أنها لا تخطط لتجديد مذكرة التفاهم الخاصة بالدعم الأمني للبيشمركة التي تنتهي في 30 أيلول.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد تفهمت تعقيد ملف حصر السلاح وضرورة تنظيم هذه العملية بإشراف حكومي إلا أنها بكل تأكيد لن تقبل أن تكون مجرد كسب للوقت. فالخطوات العملية لتنظيم السلاح يجب أن تفضي إلى تسليمه بدءاً من عملية الجرد إلى الرقابة الحكومية فتجميد القدرات العملياتية ثم تجفيف منابع التمويل وفك الارتباط العسكري. أما الصواريخ والمسيرات والقرار العسكري فلن تكون موضع نقاش حيث تصر واشنطن على أن يكون ذلك حكراً على الدولة العراقية فقط.
ولا يمكن اعتبار ملف السلاح قضية أمنية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبح جزءاً من معادلة الثقة بالدولة. فكلما نجحت حكومة الزيدي في فرض سيادتها، ازدادت ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية بالاقتصاد العراقي. وفي المقابل، فإن أي تأجيل أو تطبيق جزئي قد يؤدي إلى إطالة حالة عدم اليقين وتأخير مشاريع استراتيجية مثل طريق التنمية وخطوط تصدير النفط ومشاريع الربط الإقليمي.
وتكتسب تصريحات الحكومة عن نجاحها خلال أول مئة يوم في تجنيب العراق العزلة الدولية، ولا سيما في ملف السيادة، أهمية في هذا السياق. فحصر السلاح لم يعد بالنسبة إلى حكومة الزيدي ملفاً أمنياً منفصلاً، وإنما جزءاً من مشروع أوسع يربط السيادة بالاستقرار الاقتصادي والانفتاح على الاستثمارات والشراكات الدولية.
ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية بسبب هشاشة الاقتصاد العراقي، المعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيرادات الموازنة. وأي تراجع في الثقة بالنظام المالي أو اضطراب في تدفق الدولار قد يؤدي إلى ارتفاع سعر الصرف وزيادة التضخم واتساع العجز المالي وصعوبة الوفاء بالالتزامات الحكومية.
لذا يرجح أن تواصل واشنطن استخدام أدوات الضغط المالي والاقتصادي، سواء عبر العقوبات أو تشديد الرقابة على النظام المالي، ما يجعل تفكيك البنية الاقتصادية للفصائل أمراً لا يقل أهمية عن جمع السلاح نفسه.
السلاح والفساد… ملفان منفصلان لمعركة واحدة
ويتزامن ملف حصر السلاح بيد الدولة مع الحملة التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي ضد الفساد. فقد وصف رئيس الوزراء هذه العملية بالحرب التي لا تراجع عنها، متخذاً إجراءات مشددة في الوزارات و المؤسسات والمنافذ الحدودية.
ولا تعتمد الفصائل على السلاح وحده لبسط نفوذها في الدولة العراقية، بل على شبكات اقتصادية ومنافذ ومصارف وشركات وعقود واستيراد. وقد سبق للخزانة الأميركية أن فرضت عقوبات على مسؤولين ومصارف وشبكات تجارية استخدمت وثائق وإيصالات مزورة ومارست عمليات غسيل للأموال بالإضافة إلى تهريب النفط لتوفير الدولار أو الموارد للحرس الثوري والفصائل المرتبطة بإيران بحسب وصف الخزانة.
لذا فإن بقاء السلاح خارج إطار الدولة قد يشكل تهديداً لحملة مكافحة الفساد. وإذا نجحت الحكومة في تفكيك مصادر التمويل والاقتصاد الموازي، فإن قدرة هذه الفصائل المسلحة على الاحتفاظ بترسانة مستقلة ستضعف حتى من دون مواجهة عسكرية.
بالتوازي مع حملة الزيدي ضد الفساد تشدد الخزانة الأمريكية رقابتها على شبكات الظل المصرفي الإيرانية، ومكاتب الصرافة والشركات الواجهة التي يمتد نفوذها خارج إيران وتحديداً في دولة كالعراق. ما يعني أن حملة الحصار الاقتصادي على إيران قد تتحول عملياً إلى حملة موازية على مصادر تمويل الفصائل داخل الاقتصاد العراقي. لذا فإن مكافحة الفساد، كملف حصر السلاح، هو أيضاً لم يعد شأناً داخلياً عراقياً وقد يؤدي التهاون فيه إلى عقوبات أمريكية تزيد من أعباء الاقتصاد العراقي.
المرجعية والولي الفقيه
يعد موقف المرجعية الدينية في النجف متمثلة بآية الله السيد علي السيستاني من ملف حصر السلاح بيد الدولة عاملاً حاسماً. فالمرجعية التي أسست بفتواها الشهيرة لما يعرف اليوم بالحشد الشعبي لمواجهة تنظيم داعش، شددت على أن يكون حمل السلاح ضمن السياقات الرسمية وألا يؤدي إلى تشكيل جماعات تأتمر بغير أوامر الدولة. في المقابل، تستند بعض الفصائل المسلحة في العراق إلى مرجعية الولي الفقيه في إيران، وهو المرشد مجتبى خامنئي خليفة لوالده علي الخامنئي، ما يجعل القضية تتجاوز السلاح إلى مسألة الولاء ومصدر القرار.
هذا الخلاف الفقهي في الولاء سيعقد المشهد أكثر، خصوصاً إذا ما أصر المرشد الإيراني على ضرورة الاحتفاظ بالسلاح. فتباين المواقف بين مرجعية السيستاني والخامنئي من سلاح الفصائل، إن حدث، سيكون شرخاً كبيراً في المشهد الشيعي ككل، وقد يتحول إلى صدام بين أتباع الطرفين في العراق. لكن هذا الأمر يبقى مستبعداً لتشابك المصالح بين المرجعيتين واتفاقهما على ضرورة عدم التصعيد.
وقد برزت مؤشرات جديدة تدل على استعداد إيران للمساعدة في ملف سلاح الفصائل. فقد كشف رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني أن مسؤولين إيرانيين أبدوا استعدادهم لمساعدة حكومة بغداد في هذا الملف، ما يعني أن طهران طرف أساسي في أية تسوية مع الفصائل المسلحة. وقد تجد طهران في ذلك مصلحة تحفظ لها نفوذاً سياسياً واقتصادياً من دون الإصرار على دعم الطبيعة العسكرية للفصائل، ما يعطيها هامشاً أكبر في المناورة والحركة في العراق.
لكن ذلك يتعارض مع ما نقلته تقارير عن موقف قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني خلال زيارة غير معلنة إلى بغداد، حيث طلب من قادة الفصائل عدم تسليم سلاحهم، وحثهم على استخدام هذا الملف كورقة ضغط ومقايضة في التفاوض مع واشنطن. كما سعى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد قاليباف إلى تمديد مهلة الـ 30 من أكتوبر بالإضافة إلى تقليص الاعتماد على الدولار واعتماد العملات المحلية في المبادلات التجارية بين العراق وإيران. كما طرحت مسألة تخزين السلاح الثقيل للفصائل إما بنقله إلى إيران أو تخزينه في مستودعات الحشد الشعبي في العراق، حيث اقترح قاليباف أن يتم تشكيل لجنة من الإطار التنسيقي للإشراف على هذا الأمر.
وفي تطورلافت، أبدى عدد من قادة الإطار التنسيقي امتعاضهم من موجة الاعتقالات التي طالت عدداً من قيادات الحشد الشعبي، حيث طالبوا رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بعدم تكرار ذلك، وأن يتم عبر تبليغ المطلوبين رسمياً بالحضور أمام الجهة القضائية أو الجهة المعنية بالأمر. المثير للاهتمام أن جانباً من هذا الاجتماع كان بحضور ممثل المرشد الأعلى الإيراني الجديد محسن قمي بغية التعريف رسمياً عن نفسه أمام الحكومة والزعامات الدينية.
ويوضح هذا الحوار العراقي – الإيراني حول سلاح الفصائل والرقابة الأمريكية على تطورات هذا الملف أن هذا الأمر لم يعد مرتبطاً فقط بما تعرضه حكومة الزيدي من ضمانات، بل بنتائج التفاوض بين واشنطن وطهران وما يرتبط بها من ملفات إقليمية.
كما يعكس التباين في الرسائل التي تصل من طهران بخصوص سلاح الفصائل انقساماً واضحاً داخل القيادة الإيرانية، أو توزيعاً للأدوار يسمح لطهران بالحفاظ على أكثر من خيار في العراق. وفي الحالتين، ستبقى قدرة بغداد على تحويل التسوية إلى مسار عراقي داخلي عاملاً مهماً في تقليص قدرة الأطراف الخارجية على التحكم بمستقبل هذا الملف.
ماذا بعد الـ 30 من أيلول/ سبتمبر ؟
تكشف التطورات الأخيرة أن السؤال لم يعد محصوراً في ما إذا كانت الحكومة ستواجه الفصائل بعد الـ 30 من أيلول/ سبتمبر. فهناك الآن مسار ثالث يتمثل بتفكيك جبهة الفصائل تدريجياً، واستيعاب الجماعات التي تسلم سلاحها، وتحويل قادتها إلى العمل السياسي، والتفاوض مع المتحفظين، وعزل الجماعات الأكثر تشدداً، مع الاحتفاظ بالقوة خياراً أخيراً.
وقد بدا ذلك بوضوح من خلال الخطة المرحلية التي أعلن عنها رئيس الوزراء علي الزيدي خلال زيارته الثانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. تبدأ هذه الخطة بتهدئة مدتها 90 يوماً اعتباراً من الـ 30 من أيلول/ سبتمبر 2026، تمتنع خلالها الفصائل عن شن الهجمات، مقابل ضمانات بعدم تعرضها لهجمات من القوات الأميركية. وبعد انتهاء هذه المرحلة، تبدأ عملية تسليم الأسلحة تدريجياً على أن تكتمل بحلول الـ 30 من حزيران / يونيو 2027.
ومن شأن هذا التطور أن يخفف الضغط المرتبط بمهلة الـ 30 من أيلول/ سبتمبر ، لكنه لا يلغي احتمال التصادم إذا تعثرت التهدئة أو رفضت فصائل رئيسية الانتقال إلى مرحلة التسليم. فالجدول الجديد ينظم مسار التفاوض، لكنه لا يضمن وحده امتثال جميع الأطراف.
من جهته تحدث المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى العراق توم براك، عقب اجتماع رئيس الوزراء الزيدي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك، عن وجود تفاهم يقضي بأن تكون الدولة العراقية الجهة الوحيدة التي تمتلك القوة العسكرية بحلول نهاية حزيران / يونيو 2027. ويتزامن ذلك مع تأكيد الجانبين العراقي والأميركي، عقب الاجتماع، أهمية تفكيك التشكيلات المسلحة المستقلة ومنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات خارج قرار الدولة.
ولا يعكس ذلك بالضرورة قبولاً أمريكياً واضحاً بشأن الجدول الزمني المعلن لتسليم سلاح الفصائل، ولكنه يعكس تفهماً لتعقيدات المشهد مع ضرورة الاتفاق حول مراحل التسليم و آلياته والرقابة التي ستفرضها واشنطن على تنفيذ بنوده.
ورغم أن هذا التفاهم المعلن بين بغداد وواشنطن يجنب الزيدي خيار المواجهة مع الفصائل، إلا أنه يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة حكومته على إدارة الجدول الزمني وتنفيذ مراحله. كما يثير ذلك مخاوف حقيقية من أن تتحول عملية تسليم السلاح إلى صيغة تحفظ للفصائل نفوذها في الدولة العراقية. فقد جدد مسؤول عسكري في حركة النجباء، تمسك الحركة باستمرار “المقاومة”، الأمر الذي يظهر وجود تباين واضح بين التفاهم الحكومي–الأميركي ومواقف بعض الجماعات المسلحة.
من هذا المنطلق فإن نجاح الخطة المعلنة لتسليم السلاح لا يقاس بتوقف العمليات العسكرية التي قد تقوم بها بعض الفصائل خلال فترة التهدئة أو بعدد الأسلحة التي تُسلّم، بل بمدى إنهاء قدرة هذه التنظيمات على الاحتفاظ بمراكز القوة والتمويل واستعادة الدولة فعلياً قرار الحرب والسلم.
المصادر والمراجع
- المهلة الحكومية حتى 30 أيلول/ سبتمبر وحصر السلاح بيد الدولة – صحيفة الشرق الأوسط https://aawsat.com
- موقف الزيدي من مرحلة ما بعد 30 أيلول/ سبتمبر – الجزيرة https://www.aljazeera.net
- الغطاء السياسي لحصر السلاح بيد الدولة – وكالة الأنباء العراقية https://ina.iq/
- الشروط التي تطرحها الفصائل الرافضة -العربي الجديد https://www.alaraby.co.uk/
- الضغط الأمريكي والبعد المالي لحصر السلاح – العين الإخبارية https://al-ain.com
- الفصائل التي بدأت تسليم السلاح وإعادة دمج عناصرها – الجزيرة https://www.aljazeera.net
- الخطة الحكومية لتسلم السلاح واحتكار الدولة للقوة – الشرق الأوسط https://aawsat.com
- بيان ائتلاف إدارة الدولة – وكالة الأنباء العراقية https://ina.iq
- زيارة رئيس الاستخبارات السعودية إلى بغداد والتنسيق الأمني -شينخوا https://arabic.news.cn
- تباين مواقف الفصائل من تسليم السلاح – الجزيرة https://www.aljazeera.net
- التنسيق العراقي–السعودي ومنع استخدام الأراضي العراقية ضد دول أخرى – قناة المملكة https://www.almamlakatv.com/news
- صواريخ باليستية ومسيّرات انتحارية وراجمات.. هل تفجر ترسانة الفصائل الصدام؟ المدى – https://almadapaper.net
- أين سيذهب مقاتلوا الفصائل – شبكة 964 https://964media.com/
- الإطار التنسيقي يلتقي في بغداد آية الله محسن قمي – الميادين https://www.almayadeen.net/
- الإطار التنسيقي يشكل لجنة لحصر السلاح – ألترا عراق https://ultrairaq.ultrasawt.com/
- أمام “عين خامنئي”.. الإطار للزيدي: لا تكرر اعتقالات الحشد – شفق نيوز https://shafaq.com/
- الحكومة العراقية لـ”العربية”: 30 سبتمبر موعد حاسم لحصر السلاح https://www.youtube.com/watch?v=VwfgRVF4aHU
- بعد تصريحات العامري بخصوص «فتنة» تشرين… المالكي ينهي «سردية» حصر السلاح بيد الدولة – الشرق الأوسط https://aawsat.com
- روبيو يلتقي رئيس الوزراء العراقي تزامناً مع استعداد القوات الأمريكية المتبقية للمغادرة- المونيتور
https://www.al-monitor.com - الزيدي يعرض في واشنطن خطة بغداد لحصر السلاح.. وهذه بنودها – الجزيرة https://www.aljazeera.net
- رئيس الوزراء العراقي يتعهد بنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران وحلها بحلول عام 2027 – نيويورك تايمز https://www.nytimes.com/
- مبعوث أمريكي يقول إن واشنطن وبغداد اتفقتا على موعد نهائي في يونيو 2027 بشأن الأسلحة – الجزيرة https://www.aljazeera.net
- قائد في حركة “النجباء” يقول إن المقاومة ستستمر “رغم” ترامب وباراك – شبكة 964 https://964media.com/



