مقدمة
ليست هذه الكلمة مجرد مداخلة كنسية تُلقى في مؤتمر دولي يُعنى بأوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط، بل هي شهادة تنتمي إلى تاريخ طويل من الحضور الإنساني والحضاري في هذه المنطقة. وهي أيضاً صرخة تنبيه تصدر عن أحد أبرز الأصوات الدينية والوطنية في العراق المعاصر، غبطة البطريرك لويس روفائيل ساكو، الذي عُرف خلال العقود الماضية بصراحته الفكرية، ودفاعه المستمر عن الدولة المدنية، وعن قيم المواطنة، والتعددية الدينية والثقافية، وعن حق جميع العراقيين في العيش المشترك ضمن دولة تحميهم على قدم المساواة.
تكمن أهمية هذه الكلمة في أنها لا تتحدث عن المسيحيين بوصفهم جماعة دينية معزولة أو قضية خاصة بأتباع دين معين، بل تطرح سؤالاً يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط نفسه. فالمسيحيون الشرقيون ليسوا جماعة وافدة أو حديثة العهد بالمنطقة، بل هم جزء من نسيجها التاريخي العميق، وأسهموا على مدى قرون في بناء لغاتها وثقافاتها ومدنها ومؤسساتها التعليمية والعلمية والدينية. ومن ثم فإن تراجع حضورهم أو استمرار نزيف الهجرة بينهم لا يمثل خسارة لفئة بعينها، بل خسارة للمجتمعات التي نشأوا فيها وللتنوع الذي شكّل أحد أهم عناصر غناها.
لقد عرف العراق، شأنه شأن عدد من بلدان الشرق الأوسط، أشكالاً متعددة من التعايش والتفاعل بين المكونات الدينية والإثنية والثقافية المختلفة. ولم يكن هذا التنوع مجرد حقيقة ديموغرافية، بل كان أحد مصادر قوة المجتمع وحيويته وقدرته على إنتاج ثقافة غنية ومتعددة الروافد. غير أن العقود الأخيرة شهدت تآكلاً متزايداً في هذا الإرث نتيجة الحروب والصراعات والعنف الطائفي وصعود الجماعات المسلحة وتراجع سلطة الدولة والقانون، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت أعداداً كبيرة من المواطنين، ومن بينهم المسيحيون، إلى البحث عن مستقبل أكثر أمناً خارج أوطانهم.
ومن هنا، فإن ما يطرحه البطريرك ساكو لا ينبغي قراءته باعتباره خطاباً دفاعياً عن جماعة مهددة فحسب، بل باعتباره دعوة إلى مراجعة أعمق لأزمات الدولة والمواطنة والعيش المشترك في المنطقة. فالمشكلة، كما يشير بوضوح، ليست قدراً تاريخياً أو دينياً محتوماً، بل هي نتاج خيارات سياسية قابلة للتصحيح، ونتيجة ضعف المؤسسات، وتراجع سيادة القانون، وعجز الدولة أحياناً عن توفير الحماية المتساوية لجميع مواطنيها.
إن هذه الكلمة، التي أُلقيت أمام المؤتمر القبطي السنوي في واشنطن، تأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، حيث تتزايد المخاوف من استمرار نزيف الهجرة وتراجع الوجود المسيحي التاريخي في الشرق الأوسط. وهي، بهذا المعنى، ليست مجرد تشخيص للمشكلة، بل مناشدة أخلاقية وسياسية وثقافية تدعو إلى التحرك من أجل حماية التنوع بوصفه قيمة إنسانية مشتركة، وإلى بناء دول حديثة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية.
وفي ما يلي النص الكامل لكلمة غبطة البطريرك لويس روفائيل ساكو، المقررة للمؤتمر القبطي السنوي المنعقد في واشنطن بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2026، حول التحديات التي تهدد بقاء المسيحيين في الشرق الأوسط.
التحديات التي تهدد بقاء المسيحيين في الشرق الأوسط
أود أولاً أن أشكر السيد مجدي خليل على اهتمامه بالمسيحيين في الشرق الأوسط، وعلى متابعته لأوضاعهم المقلقة من خلال كتاباته وتصريحاته، ومن خلال تنظيم هذا المنتدى السنوي من أجلهم.
الجذور التاريخية والواقع المقلق
كان المسيحيون في الشرق الأوسط هم السكان الأصليين للمنطقة عندما وصل المقاتلون المسلمون من شبه الجزيرة العربية. وكانت الغالبية السكانية من المسيحيين في بلاد ما بين النهرين (العراق الحديث)، وكذلك في سوريا ولبنان ومصر وفلسطين.
واليوم يواجه المسيحيون خطر الاندثار بسبب الأنظمة الطائفية، والميليشيات، وتصاعد العنف، والصراعات المسلحة، والحروب. فعلى سبيل المثال، كان المسيحيون في العراق يشكلون نحو 4% من السكان قبل سقوط النظام، أما اليوم فربما تقل نسبتهم عن 1%. وفي سوريا كانوا يشكلون نحو 20%، أما اليوم فقد أصبحوا قريبين من 1%، وهكذا صعوداً وهبوطاً في بقية أرجاء المنطقة.
السبب الأول: غياب الدولة المدنية والمواطنة الشاملة
لا تزال مجتمعات الشرق الأوسط بعيدة عن تبني نظام الدولة المدنية الذي يوحد الجميع تحت مظلة المواطنة الشاملة. فمعظم الأنظمة تعلن الإسلام ديناً رسمياً للدولة، وغالباً ما يُستخدم ذلك غطاءً لتحقيق أهداف سياسية ومادية، الأمر الذي يشوه صورة الإسلام نفسه ويضعف العيش المشترك.
وعندما تتحول العلاقة الدينية أو الطائفية من كونها علاقة إيمانية حرة مع الله ومعاملة حسنة للآخرين إلى أيديولوجيا مسيسة، فإنها تصبح ساحة للصراع السياسي والطائفي. وعندها تصبح الحكومات عاجزة تماماً عن حماية حقوق وممتلكات المسيحيين وغيرهم من الأقليات.
ولا يزال العنف القائم على الدين أو الطائفية حاضراً في الخطاب السياسي والديني؛ إذ سمعنا تصريحات غريبة خلال الحروب الأخيرة، من قبيل القول: “لقد انتصرنا لأننا قدمنا شهداء!”
السبب الثاني: التطرف والخطاب التقليدي القاصر
إن انتشار الجهل والأمية خلق بيئة مناسبة لظهور الجماعات المتطرفة ذات الأيديولوجيات الراديكالية التي تسعى لإقامة دولة دينية تقوم على الشريعة الإسلامية، من دون إدراك أن أساليب التفكير البشرية قد تغيرت، وأن مواقف الناس قد تطورت، وكذلك الثقافة واللغة. كما ظهرت قضايا وقيم مجتمعية وعالمية جديدة لم يتناولها الخطاب الديني التقليدي الجامد.
أما في الغرب ــ كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا ــ فإن الأنظمة المدنية العلمانية تشكل الأساس البنيوي الذي تقوم عليه تلك المجتمعات. ولذلك تعيش هذه المجتمعات ضمن إطار راسخ من التنوع، وتقوم العلاقات فيها على قيم العدالة والمساواة، لا على الإقصاء أو فرض المعتقدات بالقوة. وتسعى الحكومات هناك إلى توفير حياة كريمة لجميع المواطنين بالتساوي، بمن فيهم المهاجرون المسلمون، انطلاقاً من الإيمان الأصيل بأن التنوع مصدر قوة وحيوية وليس مشكلة تتطلب الحل.
رؤية للحلول والإنقاذ
في ضوء هذه التحديات المقلقة والمخيفة إزاء حالة الفوضى التي تشوب النظام العالمي، أقترح التركيز على النقاط الاستراتيجية التالية:
- قراءة الواقع والاصلاح الداخلي البنيوي: يجب البدء بقراءة واقعية ودقيقة للوضع الحالي، يتبعها انخراط فوري في عملية الإصلاح الداخلي المطلوب. من الضروري وضع سياسة واضحة لحل المشكلات وبناء دولة وطنية مدنية ذات سيادة، إذ من غير المقبول مطلقاً التساهل مع وجود “دولة داخل الدولة”. كما يجب مواجهة الفساد المستشري بحزم ومن دون محاباة، واستعادة أموال الدولة المنهوبة بقوة القانون. ويتطلب هذا الوضع تشريعات حديثة وإصلاح القوانين الموروثة القديمة التي لم تعد تتناسب مع واقع ومتغيرات اليوم.
- تأسيس مشروع الدولة الحديثة: يحتاج المواطنون، بمن فيهم المسيحيون، إلى سلام عادل ودائم، وإلى الأمن، وتأمين فرص العمل، والخدمات والحرية؛ أي إلى حياة إنسانية تُعاش بكرامة وسعادة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إقامة مشروع دولة حديثة يتمتع فيها جميع الأفراد بالمواطنة المتساوية ويتوحدون تحت هوية وطنية جامعة واحدة.
- الفصل بين العقيدة الشخصية والشؤون العامة: الدين مسألة خاصة وشخصية، ولكل فرد الحرية الكاملة في أن يؤمن أو لا يؤمن. أما الشؤون العامة وإدارة الدولة فيجب أن تعتمد حصراً على معايير الكفاءة والقدرة. فجميع المواطنين متساوون، والمسيحيون لا يقلون كفاءة أو ولاءً لأوطانهم عن غيرهم، ويجب أن يتمتع جميع المواطنين بحرية التعبير الديني بلا قيود.
- وحدة الخطاب المسيحي والتمسك بالأرض: يجب أن يبقى المسيحيون في أرض أجدادهم وأن يحافظوا على تراثهم الوطني والثقافي والديني. وعليهم أن يوحدوا خطابهم ومواقفهم الجماعية في المطالبة بالأمن والطمأنينة والعدالة والمساواة، وألا ينظروا إلى أنفسهم مجرد أقلية دينية مهددة. فالخلاص يكمن في الوحدة، والمناصرة المتبادلة، والدعم المشترك الذي يساعدهم على البقاء، والحفاظ على جذوة الأمل، والعيش في بيئة آمنة، وتنمية مناطقهم وخلق فرص عمل مستدامة.
- المسؤولية الدولية والمطالبة بالحقوق: ينبغي على المجتمع الدولي والغرب أن يدعم المسيحيين بوصفهم مواطنين أصليين متساوين، من خلال الإصرار على احترام حقوق الإنسان في هذه البلدان، والالتزام الصارم بالقانون الدولي الذي يدعم التنوع الديني والعرقي، ويعزز ويحمي حرية التعبير. يجب ألا تفرغ هذه البلدان تدريجياً من المسيحيين الشرقيين، الذين يمثلون الجذور التاريخية والأولى للمسيحية العالمية.
خاتمة الكلمة
إننا نحلم بوطن آمن، واستقرار دائم، يحتضن الحريات والمواطنة الشاملة، والعدالة، والمساواة. نحن أبناء هذه الأرض الأصليون، ولسنا مهاجرين قدموا إليها من بلدان أخرى.
تنويه: الآراء الواردة في هذه الورقة تعبر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي للمعهد.



