“لتفتح بيننا أبواب الصدق والصداقة والمودة، وقواعد الوفاق […] من خلال تحريك سلسلة الأسرار بيننا من كلا الجانبين… حتى يغدو الوفاق أكثر ثباتًا يومًا بعد يوم…”
(ASV, Fondo Confalonieri, 22, ff. 309r-310v)
تحمل الوثيقة ختماً في جزئه العلوي: “الله، محمد، علي”، وفي وسطه توقيع الشاه: “عباس، خادم علي”. وهذه الرسالة – والمئات التي تلتها – تكشف عما هو أكثر من مجرد مراسلات دبلوماسية بسيطة؛ إذ تكشف عن وجود حوار سياسي وديني بين روما وفارس في وقت كانت تُوصف فيه العلاقات بين العالمين المسيحي والإسلامي عمومًا من خلال منظار المواجهة والصدام.
إن تاريخ العلاقات بين الكرسي الرسولي والعالم الشيعي لم يبدأ مع جمهورية إيران الإسلامية؛ بل تكمن جذوره في العصر الصفوي، عندما جعلت فارس من التشيع الإثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة، وسعت إلى إقامة تحالفات قادرة على إحداث توازن قوى مع الإمبراطورية العثمانية. ومنذ نهاية القرن السادس عشر فصاعدًا، تبادل الطرفان اتصالات منتظمة؛ حيث ساهمت المراسلات والسفارات والبعثات الدينية والشبكات التجارية في بناء علاقة صمدت أمام التغييرات السلالية والثورات وإعادة التشكل الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
ويسلط هذا التاريخ الطويل الضوء على فرادة غالبًا ما تُغفل: فبينما شهدت العلاقات بين إيران والعديد من الدول الغربية قطيعة عميقة منذ عام 1979م، لم يتوقف الحوار بين طهران والفاتيكان قط. لقد تغيرت أشكال هذه العلاقة، لكن القناة الدبلوماسية ظلت مفتوحة. ولتفهم هذا الاستمرار، لا بد من العودة إلى أصوله.
تحالف ضد القوة العثمانية
في القرن السادس عشر، التقت المصالح بين فارس الصفوية وأوروبا الكاثوليكية حول خصم مشترك: “الترك”، أي الإمبراطورية العثمانية. وبالنسبة للملوك الصفويين، كان تبني التشيع مذهبًا للدولة يمثل علامة هوية قوية وأداة للمركزية السياسية في مواجهة منافسيهم السنة. أما بالنسبة للقوى الأوروبية، فقد بدت فارس شريكًا محتملاً قادرًا على ممارسة ضغط عسكري على الجناح الشرقي للإمبراطورية العثمانية.
وفي هذا السياق، برزت الاتصالات الدبلوماسية الأولى بين روما وأصفهان. فبعد أسابيع قليلة من معركة “ليبانتو” (7 أكتوبر/تشرين الأول 1571م)، وتحديدًا في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1571م، وجّه البابا بيوس الخامس رسالة إلى الشاه طهماسب الأول يحثه فيها على مواصلة الصراع ضد العثمانيين. ورغم أن هذا التقاطع في المصالح لم يؤدِ إلى تحالف عسكري رسمي، إلا أنه فتح مساحة غير مسبوقة للحوار بين قوتين ترى كل منهما أنها تحمل رسالة عالمية.
وفي عهد الشاه عباس الأول، اتخذت هذه السياسة بعدًا جديدًا؛ حيث سعى الحاكم الصفوي إلى تحديث جيشه، وتطوير التجارة الدولية، وتعزيز موقفه إزاء إسطنبول. وكانت العلاقات مع روما جزءًا من هذه الاستراتيجية الأوسع القائمة على الانفتاح الدبلوماسي نحو أوروبا.
وتظهر الرسائل المتبادلة مع الكرسي الرسولي أن القضايا المطروحة تجاوزت الاعتبارات العسكرية المجردة؛ حيث طور الطرفان تدريجيًا لغة دبلوماسية مشتركة أتاحت لهما تجاوز الخلافات المذهبية. إذ اعترف الملوك الصفويون بالسلطة الروحية للبابا على الأمراء المسيحيين، بينما قدمت روما الملوك الفرس كمحاورين شرعيين رغم الاختلافات العقائدية. وقد شكل هذا الاعتراف المتبادل أحد الأسس الرئيسية للعلاقة الدائمة التي قامت بين الدولتين.
“إنني أرغب في أن يتردد المسيحيون ذهابًا وإيابًا عبر مملكتي، فإن قداستكم – من بين الأمراء المسيحيين – هو نائب المسيح الذي يدينون له بالطاعة الصادقة. وفي كل ما تأمر به قداستكم، سأكون دوماً على أتم الاستعداد للطاعة. وأدعو الله أن يحفظ هذه الصداقة بيننا”
(BAV, Vat. Pers. 165)
وسطاء الإمبراطورية: المبشرون والتجار الأرمن
لم تقتصر العلاقات بين روما وفارس على المراسلات بين الملوك والباحثين؛ بل اعتمدت على مجموعة كاملة من الفاعلين الذين ضمنوا تنقل الأفراد والمعلومات والنصوص بين العالمين. وكان من بين هؤلاء المبشرون الكاثوليك، وكذلك التجار الأرمن المستقرون في إيران.
فمنذ نهاية القرن السادس عشر، حصل الكرمليون الحفاة والأغسطينيون والكبوشيون على إذن بالاستقرار في عدة مدن فارسية. ولم يقتصر وجودهم على الأغراض الدينية فحسب، بل كان له أيضاً أبعاد دبلوماسية؛ إذ عمل رجال الدين كمترجمين ومستشارين، وحتى كضباط اتصال بين البلاط الصفوي والكرسي الرسولي. وساهمت تقاريرهم في تغذية المعرفة التي اكتسبتها روما تدريجياً عن المجتمع الفارسي ورجال الدين الشيعة.
وشغلت المناظرات اللاهوتية مساحة مهمة في هذه التبادلات؛ حيث ناقش المبشرون والعلماء الشيعة طبيعة المسيح، والسلطة الدينية، ودور القديسين في نظرية الخلاص. ولم تنتج هذه السجالات سوى حالات تحول ديني محدودة، لكنها ساهمت في إرساء أشكال من الاحترام المتبادل بين تقليدين دينيين قويي البنية. إذ اكتشف المبشرون هيئة دينية تتمتع بمؤسسات صلبة وثقافة علمية متطورة؛ بينما وجد رجال الدين الشيعة من جانبهم محاورين قادرين على المحاججة من خلال مقولات دينية شبيهة بتلك التي يستخدمونها.
كما لعب الأرمن دوراً حاسماً لا يقل أهمية. ففي بداية القرن السابع عشر، قام الشاه عباس الأول بنقل عشرات الآلاف من الأرمن إلى عاصمته الجديدة “أصفهان”. وفي حي “جلفا الجديدة”، سرعان ما أصبحت هذه المجتمعات فاعلاً رئيسياً في تجارة الحرير الدولية. ومن خلال شبكات امتدت من الهند إلى البحر الأبيض المتوسط، ضمن هؤلاء التجار أيضاً نقل الرسائل والمعلومات الدبلوماسية والمبعوثين الرسميين.
وكان العديد من هؤلاء التجار يتقنون لغات متعددة ويترددون على البلاطات الأوروبية والإدارات الفارسية على حد سواء؛ مما جعلهم وسيطاً لا غنى عنه بين الفضائين اللذين تفصل بينهما الإمبراطورية العثمانية. وبدونهم، ربما لم تكن معظم المراسلات بين روما وأصفهان لتصل إلى مقصدها أبداً.
وقد منحت هذه الوظيفة الوسيطة الأرمن تدريجياً مكانة خاصة في العلاقات بين الفاتيكان وفارس. ففي روما، برزوا كممثلين للمجتمعات المسيحية الشرقية القديمة، وفي فارس، نُظر إليهم كرعايا مخلصين تساهم أنشطتهم التجارية في ازدهار المملكة. وقد مكنهم هذا الانتماء المزدوج من شغل مساحة تفاوض فريدة بين القوتين.
علاقة صمدت بوجه القوى والإمبراطوريات
لم يضع زوال السلالة الصفوية في القرن الثامن عشر حدًا للحوار مع روما. فبالرغم من التغيرات السلالية والحروب والأزمات الداخلية، استمرت الاتصالات الدبلوماسية. ومع ذلك، اتخذت هذه التبادلات شكلًا جديدًا في القرن التاسع عشر في ظل حكم القاجاريين (1789-1925م).
فلم تعد أوروبا مجرد شريك عسكري محتمل؛ بل أصبحت قوة اقتصادية وسياسية مهيمنة. وأضحت فارس تسعى حينها للحفاظ على استقلاليتها في مواجهة الأطماع الروسية والبريطانية. وفي هذا السياق، تمتع الفاتيكان بميزة خاصة: فخلافًا للقوى الأوروبية الكبرى، لم تكن لديه أي أطماع إقليمية أو توسعية في الشرق الأوسط.
وتشهد الرسائل المتبادلة بين الملوك القاجاريين والباباوات على هذا التطور. فعندما بعث ناصر الدين شاه بتهانيه إلى البابا ليون الثالث عشر في عام 1887م، اختلفت النبرة بشكل ملحوظ عن المراسلات الصفوية؛ إذ لم يعد هناك حديث عن تحالف عسكري ضد العثمانيين، بل ركزت المفردات بشكل أكبر على السلام، والصداقة بين الشعوب، والحفاظ على علاقات قائمة على الاستدامة.
وعليه، برز الكرسي الرسولي كمؤسسة قادرة على تقديم شكل من أشكال الاعتراف الدولي دون المشاركة المباشرة في التنافسات الإمبريالية التي كانت تجتاح المنطقة. وبنسبة للملوك الشيعة، وفرت هذه العلاقة وسيلة لتوسيع هامش مناورتهم الدبلوماسية في سياق اتسم بالضعف التدريجي لسلطتهم.
وأدى هذا الاستمرار في النهاية إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين إيران والكرسي الرسولي في منتصف القرن العشرين. وحين تولى محمد رضا بهلوي السلطة، كانت التبادلات بين روما وطهران تستند بالفعل إلى عدة قرون من الاتصالات غير المنقطعة.
1979: لماذا لم يقطع الفاتيكان علاقاته مع إيران؟
شكلت الثورة الإسلامية عام 1979م لحظة قطيعة في العلاقات بين إيران والقوى الغربية؛ حيث أدى سقوط الملكية البهلوية (1925-1979م) وتأسيس الجمهورية الإسلامية إلى دفع العديد من الحكومات إلى إعادة النظر في علاقاتها مع طهران، لتصبح إيران تدريجياً أحد المصادر الرئيسية للتوتر في السياسة الدولية.
وفي هذا السياق، يبدو موقف الكرسي الرسولي فريداً؛ فبينما تعاملت معظم الحكومات الغربية مع النظام الجديد من منظور المواجهة الأيديولوجية أو الأمنية، اختار الفاتيكان إبقاء أبواب وقنوات التواصل مفتوحة. فلم تنقطع العلاقات الدبلوماسية، وبقيت القنصلية قائمة، وبقي الممثلون البابويون في مواضعهم، واستمرت التبادلات رغم الأزمات المتتالية.
ويرجع هذا الاستمرار بالدرجة الأولى إلى ذاكرة مؤسسية قديمة. فبالنسبة للدبلوماسية الفاتيكانية، لم تنشأ الجمهورية الإسلامية من فراغ تاريخي؛ بل كانت تنتمي إلى تقليد حُكم طويل احتلت فيه السلطة الدينية موقعاً محورياً في تنظيم السلطة السياسية. فمنذ العصر الصفوي، تعلّمت روما التحدث مع محاورين تستند شرعيتهم بشكل كبير إلى مكانتهم الدينية.
وعلى عكس العديد من المراقبين الغربيين الذين فسروا الثورة الإيرانية كظاهرة سياسية شاذة، رأى الكرسي الرسولي فيها تعبيراً عن ثقافة دينية ومؤسسية يملك معها خبرة تمتد لعدة قرون. ولم يكن هذا يمثل تأييداً لتوجهات الجمهورية الإسلامية، بل كان اعترافاً بمحاور تُعد منطقياته الداخلية مفهومة ومفهومة الأبعاد.
وقد برز هذا الاختلاف في الفهم بشكل جلي خلال أزمة الرهائن الأمريكيين بين عامي 1979 و1981م. ففي ظل هذا المناخ المتوتر للغاية، حدث تبادل اتسم بالصراحة النبوية، ما جسد الاعتراف المتبادل بين سلطتين أخلاقيتين. ففي ديسمبر/كانون الأول 1979م، وجّه آية الله الخميني رسالة لافتة إلى البابا يوحنا بولس الثاني وإلى المسيحيين في جميع أنحاء العالم، أكد فيها أنه “لو كان عيسى المسيح حاضراً اليوم، للام الرئيس كارتر” على سلوكه تجاه الشعب الإيراني. ومن خلال مخاطبة الحبر الأعظم مباشرة، لم يكن الإمام يتحدث إلى رئيس دولة أجنبية، بل إلى ممثل نبيّ يدّعي هو أيضاً الانتماء إلى إرثه في العدالة، داعياً الفاتيكان إلى الوقوف بجانب “المستضعفين” ضد استكبار الأقوياء.
جمعت تدخلات البابا يوحنا بولس الثاني حينها بين الإدانة الأخلاقية لاحتجاز الرهائن والحفاظ على الحوار المباشر مع السلطات الإيرانية. وأصبح هذا الموقف المزدوج أحد سمات الدبلوماسية البابوية في الشرق الأوسط: عدم التخلي عن النقد، وتجنب القطيعة قدر الإمكان. ويمكن العثور على المنطق نفسه في العقود التالية؛ فبالرغم من السجالات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والنزاعات الإقليمية، وقضايا حقوق الإنسان، واصل الكرسي الرسولي اعتبار الحوار أداة دبلوماسية ذات أولوية. ويستند هذا الموقف إلى قناعة راسخة: ألا وهي أن الأزمات الأكثر استدامة لا يمكن حلها حصراً من خلال العزلة أو العقوبات.
حوار قائم على الاعتراف بالسلطات الدينية
إذا كانت العلاقات بين روما وطهران قد صمدت أمام مثل هذه التغيرات السياسية العميقة، فلأنها تستند أيضاً إلى شكل خاص من التفاهم المتبادل بين المؤسسات الدينية.
تُعد الكاثوليكية الرومانية والتشيع الإثنا عشري تقاليد ذات بنية هرمية قوية؛ إذ يمنح كلاهما مكاناً مهماً للسلطة الكهنوتية/الدينية، وللنقل العلمي للمعرفة الدينية، وللاستمرارية المؤسسية. ورغم أن الخلافات العقائدية تظل كبيرة، إلا أنها لا تمنع وجود لغة مشتركة في الموقف من دور الدين في الحياة العامة.
ويظهر هذا التقارب البنيوي بشكل منتظم في اللقاءات بين القادة الكاثوليك والسلطات الشيعية. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تضاعفت التبادلات الأكاديمية واللاهوتية بين روما وقم وغيرها من مراكز الدراسة. ولم يكن الهدف تذليل الخلافات العقائدية، بل خلق مساحات يمكن فيها مناقشتها دون التشكيك في مشروعية الآخر.
وبعيداً عن الدبلوماسية الرسمية، أحدث مشروع فكري كبير تحولاً عميقاً في أسس الفكر الشيعي في إيران؛ حيث انخرط جيل من “اللاهوتيين الجدد” لعدة عقود في نقد جذري لتراثهم بغية تأسيس “علم كلام جديد”. وسواء في الفقه أو في اللاهوت الأساسي، أصبحت قضية الحرية المحور الرئيسي لمشاريعهم. ومن بعض النواحي، يشبه هذا التحول الداخلي “لاهوت تحرير” شيعياً حقيقياً.
وفي مناسبات عديدة، وجد الفاتيكان وإيران نفسيهما في مواقف متشابهة خلال النقاشات الدولية المتعلقة بالأسرة، والأخلاقيات الحيوية (البيوأخلاقيات)، ومكانة الدين في المجتمعات المعاصرة. ولا ينبغي تفسير هذه التقاربات الظرفية كتحالف سياسي، بل هي تجسيد لمخاوف مشتركة إزاء آثار بعض التحولات الثقافية العالمية.
وبذلك، طوّرت الدبلوماسية الفاتيكانية تدريجياً مقاربة خاصة تجاه إيران؛ ففي الوقت الذي يرى فيه الفاعلون الآخرون في إيران خصماً جيوسياسياً بالدرجة الأولى، يرى الفاتيكان فيها أيضاً شريكاً دينياً يظل الحوار معه ممكناً رغم الخلافات.
النجف، 2021: العمق العراقي للعالم الشيعي
في 6 مارس/آذار 2021م، التقى البابا فرانسيس في النجف بآية الله العظمى علي السيستاني، أحد أعلى المراجع الدينية في التشيع المعاصر. وسرعان ما طافت الصورة أرجاء العالم: في منزل متواضع بالمدينة القديمة في النجف، التقت شخصيتان من أكثر الشخصيات الدينية تأثيراً في عصرهما، بعيداً عن القمم الدبلوماسية والإخراج البروتوكولي.
إن مكان اللقاء يكتسب أهمية بالغة؛ إذ لم يذهب فرانسيس إلى طهران، العاصمة السياسية لجمهورية إيران الإسلامية، بل إلى النجف في العراق الشيعي. وهذا الخيار لا يقلل من الأهمية التاريخية لإيران في تشكيل التشيع الحديث، بل يذكر بأن العالم الشيعي لا يمكن اختزاله في الدولة الإيرانية أو في التشكيلة السياسية التي قامت بعد عام 1979م. فالعراق هو أحد المهدين التاريخيين للذاكرة الدينية الشيعية والعلوم والسلطة؛ حيث تشكل الكوفة والنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء جغرافيا مقدسة وعلمية ترتبط بالأئمة، وبالشهادة، وبالزيارة، وبالفقه، وبنقل المعرفة الدينية. والنجف بوجه خاص ليست مجرد مدينة مقدسة، بل هي مقر لتقليد علمي تمتد سلطته عبر العراق وإيران ولبنان والخليج وجنوب آسيا والعالم الشيعي الأوسع.
ولا بد من وضع هذا اللقاء في السياق الخاص لعراق ما بعد تنظيم “داعش”، المخضوب بالعنف الطائفي وتهجير السكان وهشاشة المجتمعات المسيحية. لكن اللقاء يتجاوز الإطار العراقي المباشر؛ إذ يمثل إحدى أكثر اللحظات أهمية في الحوار الممتد لقرون بين الكرسي الرسولي ومختلف السلطات في العالم الشيعي. وفي الوقت نفسه، يدخل تحولاً حاسماً: فالمحاور هنا ليس ملكاً ولا حكومة ولا مؤسسة دولة، بل سلطة دينية متجذرة في الحوزة العراقية ومُعترف بها إلى ما هو أبعد بكثير من الحدود الوطنية.
ويحتل السيد علي السيستاني موقعاً فريداً في هذا المشهد الديني. فهو وريث التقليد العلمي للنجف، ويدافع عن مفهوم للسلطة الدينية يمنح الأولوية للنفوذ الأخلاقي على الممارسة المباشرة للسلطة السياسية. ويمتد نفوذه إلى ما هو أبعد من العراق ليغطي العالم الشيعي بأكمله. وتعد هذه الخصوصية أساسية لفهم مبادرة البابا فرانسيس؛ فبذهابه إلى النجف، لم يعترف فقط بممثل للتشيع العراقي، بل بشكل من أشكال السلطة الدينية التي لا تعتمد مشروعيتها بالدرجة الأولى على سلطة الدولة.
تُعد اللغة المستخدمة خلال هذا التبادل كاشفة؛ إذ لا يتحدث السيستاني عن “أقليات” دينية، بل عن “مكونات” المجتمع العراقي، رافضاً النبرة الفوقية لمفهوم التسامح، ومفضلاً عليها المساواة في الحقوق الدستورية. ومن خلال الاستماع إلى السيستاني وهو يؤكد أن المسيحيين يجب أن يعيشوا في أمن وسلام كباقي العراقيين، اعترف فرانسيس بصوت شيعي عراقي قادر على التحدث لا عن طائفة واحدة فحسب، بل عن الكرامة المشتركة للمجتمع بأكمله.
وباختيار السفر إلى النجف، اعترف البابا فرانسيس بسلطة دينية وأكد أن المؤسسات الدينية تظل فاعلاً رئيسياً في العلاقات الدولية المعاصرة. كما كانت هذه المبادرة ذات مغزى كبير بالنسبة للسلطات الشيعية التي رأت في الزيارة اعترافاً بدورها في تثبيت استقرار المنطقة وحماية المجتمعات المسيحية. لكن هذه اللفتة تحمل معنى أعمق: فهي تظهر أن الحوار مع العالم الشيعي لا يمر حصراً عبر القنوات السياسية والدولية، بل يتطلب أيضاً الإصغاء إلى التقاليد الدينية الحية في مرجعياتها الأكثر تجذراً.
خاتمة
إن تاريخ العلاقات بين روما وفارس، ثم بين الكرسي الرسولي وإيران المعاصرة، يدعونا إلى تجاوز التصورات المبسطة التي تضع الغرب المسيحي آلياً في مواجهة العالم الإسلامي. فمنذ بداية القرن السابع عشر، تكشف الأرشيفات، على العكس من ذلك، عن سلسلة متتالية من التبادلات والمفاوضات والخلافات والتقاربات التي مكنت من الحفاظ على حوار لم ينقطع تقريبًا.
لقد تغيرت أشكال هذه العلاقة بشكل عميق على مر الزمن؛ فبعد مشاريع التحالف العسكري ضد الإمبراطورية العثمانية، جاءت البعثات الدينية، والشبكات التجارية الأرمنية، والتبادلات الفكرية، ثم العلاقات الدبلوماسية المعاصرة لاحقًا. ومع ذلك، فإن السؤال نفسه يتخلل هذه القرون الخمسة من التاريخ: كيف يمكن إقامة علاقات مستدامة بين قوى تستند مشروعيتها إلى تقاليد دينية مختلفة، وتدعي كل منها الشمولية؟
تبدو الرسالة التي بعث بها الشاه عباس الأول إلى كليمنت الثامن عام 1599م اليوم كإحدى أولى علامات هذا السؤال. فخلف الصيغ الدبلوماسية والحسابات الاستراتيجية، يمكن للمرء بالفعل تمييز الرغبة في ابتكار لغة مشتركة بين عالمين غالبًا ما يُقدمان على أنهما متضادان بشكل لا يلين.
وبعد أكثر من أربعة قرون، وفي الوقت الذي تستمر فيه الأزمات الإقليمية في إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط، يساعدنا هذا التاريخ الطويل على فهم سبب صمود الحوار بين روما والعالم الشيعي أمام الحروب والثورات وتغيرات الأنظمة. كما أنه يظهر أن الأرشيفات الدبلوماسية لا تحفظ ذاكرة الدول فحسب؛ بل تحتفظ أيضاً بأثر الجهود المتجددة باستمرار لإبقاء إمكانية الحوار مفتوحة بين عوالم دينية وسياسية مختلفة.
تنويه: الآراء الواردة في هذه الورقة تعبر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي للمعهد.



