التغييرات المناخية في العالم أصبحت واقع حال ملموس ولم تعد متوقعة كما كانت بالسابق وبدأ تأثيرها يظهر ويؤثر بشكل مباشر على بعض الاحواض المائية في المنطقة ، وتأثيرها الأكبر في العراق ضمن حوضي نهري دجلة والفرات وروافدهما بات واضحاً علماً ان انحسار إيرادات هذين الحوضين يعود بشكل مباشر الى عدة اسباب تتمثل بالتغييرات المناخية والثاني قيام أعالي الحوضين بتنفيذ مشاريعهم الاروائية والخزينة دون الاخذ بنظر الاعتبار تأثيرها السلبي على العراق كون دولة مصب لهذه الاحواض وهذه بحد ذاتها مخالفة لكل المواثيق الدولية التي تؤكد على ضرورة عدم الاضرار بدول ذنائب الأنهر . بالاضافة الى اسباب مهمة تتعلق بادارة الموارد المائية داخليا
ان التغيرات المناخية التي بدا تاثيرها واضحا اعتبارا من عام 2015 اصبحت الان تغيرات متطرفة، بمعنى انها تصيب احواض مائية بحالة من الفيضان وتصيب اخرى بحالة من الجفاف وهذا ماحصل في حوضي نهري دجلة والفرات داخل العراق.
ان اثر التغييرات المناخية على المنطقة والعراق خصوصاً سيكون تأثيره كبير جداً حيث تصنف التقارير الدولية العراق من بين خمس دول سوف تتأثر بشكل سلبي بهذه التغييرات لذلك نعتقد جازمين ان يتطلب التركيز الحكومي والسياسي والمجتمعي في العراق لغرض مواجهة هذة التحديات وتأمين التخصيصات المالية المطلوبة حيث لحد الان لم يتم تأمين تخصيصات مالية تواجه هذه التأثيرات وتشير مخرجات الدراسة الاستراتيجية التي اعدتها وزارة الموارد المائية في عام 2014 والتي تمثل خارطة طريق لعمل الوزارة كونها تعطي تصور كامل حول واقع الموارد المائية في العراق لغاية عام 2035 وهذة الدراسة تمثل استكمال لدراسات سابقة اعدت لنفس الغرض والتي اشارت في مخرجاتها الى حاجة العراق لتأمين تخصيصات مالية لغاية 2035 (ستة الهدف للدراسة) بواقع 175 مليار دولار لكل قطاعات ووزارات الحكومة العراقية التي ترتبط باستخدامات المياة في مشاريعها لغرض تطوير هذة الاستخدامات والمبلغ المخصص فقط لوزارة الموارد المائية من اصل هذا المبلغ يصل الى مايقارب 75مليار دولار لتطوير وتحسين مشاريعها الاروائية وتنفيذ مع تاهيل السدود والسدات وتنفيذ مخرجات وتوصيات هذة الدراسة الاستراتيجية وبطبيعة الحال وحسب مؤشرات الواقع الاقتصادي للعراق لايمكن من الناحية العملية ان يتم تخصيص مثل هذة المبالغ ويتطلب ان يتم تحديث هذة الدراسة اخذين بنظر الاهتمام عدم الامكانية لتامين مثل هذة التخصيصات المالية.
لغرض مواجهة كل هذه التحديات وبناء عليه ومن وجهة نظرنا نرى ان يتم الاتي :-
أولاً
ضرورة التحول من الري المفتوح الى الري المغلق مع ضرورة المباشرة الفعلية في محافظات ذنائب الأنهر وبالأخص محافظات الوسط والجنوب كونها سوف تعاني بشكل كبير ومباشرة من اثار الشحة المائية الناتجة عن التغييرات المناخية .
ان عملية التحول هذه من وجهة نظرنا سوف تعالج بشكل كبير توزيعات المياة عندما يتم نقلها بالنظام المغلق أي نقلها بالانابيب وبهذه الطريقة سوف يتم المحافظة على نوعية وكمية المياة سواء الساكنين في صدور هذه القنوات المغلقة والساكني في ذنائب هذه القنوات مع توزيع عادل للمياة وايضاً ضماناً لعدم التجاوز على الحصص المائية مع تقليل التبخر الحاصل نتيجة لنقل المياة بالقناة المفتوحة (النظام المفتوح) وكذلك زيادة الرقعة الزراعية وهناك الكثير من الفوائد من استخدام هذا النظام علماً ان العديد من الدول وبالخصوص تركيا قد قطعت شوطاً كبيراً في التحول من الري المفتوح الى الري المغلق .حيث انها خصصت مبالغ تصل الى مايقارب 75 مليار دولار للفترة من عام 2007 لغاية عام 2015 واستطاعت من تحويل اكثر من 80% من منظومة نقل المياة باستخدام الانابيب المغلقة بدلا من نظام القنوات المفتوحة
ثانياً
ضرورة تأهيل البنى التحتية لمشاريع مياه الاسالة وتحديد الحصص المائية المعدّة عالمياً للفرد الواحد حسب المناطق حيث ان الكمية المخصصة للاستهلاك اليومي للفرد الواحد داخل مراكز المدن تصل الى 240 لتر/يوم وكمية 200 في مراكز الاقضية والنواحي وتصل الى 130 لتر/يوم الى مناطق الأرياف . علماً ان الأرقام الفعلية الحالية المستهلكة يوميا في عموم العراق تصل الى اكثر من 550 لتر/يوم كمعدّل عام ويمثل هذا الرقم استهلاك عالي ويعود السبب بذلك الى عدم تأهيل البنى التحتية لشبكة توزيعات مياه الشرب في العراق مما يسبب هدر كبير ويتطلب معالجتها حيث من المقرّر ان تصل استهلاكات مياه الشرب والستخدامات المنزلية الاخرى في العراق لعام 2035(سنة هدف الدراسة) الى 6.4 مليار م3/سنويا حسب مخرجات الدراسة الاستراتيجية التي اعدتها الوزارة والتي اعتمدت الاستهلاك اليومي لمياه الشرب وحصة الفرد الواحد كما اشرنا اليها سابقا بواقع استهلاك 240 لتر/يوم للفرد الواحد في مراكز المدن و 200 لتر / يوم في مراكز الاقضية والنواحي و 130 لتر / يوم في مناطق الارياف في حين نلاحظ ان ماتم تاشيرة من استهلاك فعلي لمياه الشرب واستخداماتها المنزلية الاخرى في عام 2022 فقط وصل الى 9 مليار م3/سنويا لذلك يتطلب وضع هذا الموضوع على رأس أولويات أصحاب القرار والجهات ذات العلاقة وخصوصاً دوائر البلدية في المحافظات ودائرة امانة بغداد في العاصمة . علماً ان مسوولية تامين مياه الشرب والاستخدامات المنزلية الاخرى من مهام امانة بغداد في العاصمة بغداد ودوائر البلدية في كل المحافظات .
ثالثاً
يتطلب أيضا وضع حد لمشكلة رمي مياه المجاري والملوثات ومخلفات المصانع مباشرة الى النهر بدون معالجة حيث تقدّر الكميات التي تطلق بنهري دجلة والفرات الى 5 مليون م3/يومياً حسب إحصائية وزارة البيئة وهذه الحالة يمثل الخطر الأكبر ويظهر تأثيرها المباشر في وقت الشحة حيث نلاحظ انخفاض في مناسيب الأنهر للحد الأدنى بسبب قلة الاطلاقات المائية بسبب الشحة والتي تتزامن معها الكميات التي ترمى بالنهر دون معالجة سوف يكون لها تأثير كبير على صحة الانسان والزراعة وكافة مفاصل الحياة هذا من جانب و من جانب اخر فقد عملت جميع الدول على معالجة هذا النوع من المياه و اعادة استخدامها لكافة الاستخدامات و اهمها الزراعة لذلك نرى من المهم الاهتمام بهذا الموضوع و تامين التخصيصات اللازمة للحكومات المحلية و الدوائر ذات العلاقة لغرض نصب معامل معالجة و الاستفادة من هذه المياه اسوة بدول العالم مع التخفيف من اثار شحة المياة.
رابعاً
ضرورة الاستخدام الامثل للمياه الجوفية ذات النوعية الممتازة و المتوفرة في مناطق محافظات السماوة و النجف و كربلاء و الانبار ولكن يتطلب هنا التركيز على عدم الاستنزاف الجائر لهذة الثروة و ان تكون عملية حفر الابار الجوفية باستخدام الطرق العلمية و الاسس التي تعتمدها الدوائر المتخصصة في وزارة الموارد المائية حيث لوحظ خلال الفترة من عام 2003 و لغاية 2022 استخدام عشوائي لهذه المياه الجوفية ادى إلى استنزاف بحدود 50% من المياه المتوفرة في محافظة السماوة و بنسبة اقل من محافظات النجف و كربلاء و الانبار و هذا مؤشر خطير حيث يتطلب استخدام التقانات الحديثة بالزراعة في مثل هذه المناطق و ليس بالطريقة التقليدية باستخدام ري سيحي لمياه الابار حيث ان العراق لا يحتوي على مخزون هائل من المياه الجوفية المتجددة كما يشاع في بعض وسائل الاعلام و الكميات الموجودة تكونت على مر ملايين السنين.في الطبقات العميقة والغير متجددة
خامساً
على وزارة الزراعة اعتماد الزراعة الحديثة و توفير المستلزمات المدعومة للمواطنين مع تنفيذ عدد من المشاريع الريادية لزرع حالة من الثقة لدى الفلاح لضمان النتائج الايجابية لاستخدام الزراعة الحديثة حيث ان التوسع في مساحات الاراضي الزراعية و باستخدام طرق الزراعة الحالية معناها هناك مشكلة سوف تحصل في الغلة الزراعيىة و هدر في توزيعات المياه و يتطلب التركيز على المناطق او المساحات التي تعطى غلة زراعية عالية بمساحات ليست كبيرة حيث بالامكان تامين الحصص المائية لهذه المساحات بانتظام و هذا النظام معمول به في العالم و دول الجوار و هناك امثلة عديدة تخص هذا الموضوع.كما يتطلب ان تقوم هدة الوزارة بالتشجيع على استخدام المحاصيل الزراعية المقاومة للملوحة لغرض الاستفادة من مخزون المياة الجوفية المالحة
سادساً
في العراق و في اغلب المحافظات لدينا مخزون كبير من المياه الجوفية ذات الملوحة العالية و تصل في بعض المناطق الى نسبة تصل من (10-15) الف جزءبالمليون من TDS الملوحة الذائبة و هذه نسبة تعتبر غير مقبولة للاغراض الزراعية و مياه الشرب ولكن هناك بدائل ممكن استخدامها للاستفادة من هذه المياه و خصوصا محافظات الوسط و الجنوب في العراق حيث بالامكان حفر هذه الابار و نصب محطات تحلية لمعالجة النقص لتوفير المياه و خصوصاً لاغراض الشرب للانسان و الحيوانات و الزراعة على مساحات سينفذ عليها لان في وقت الشحة لايمكن تلبية كافة المتطلبات لهذه المحافظات لذلك على الحكومات المحلية التوجة العملي و الفعلي لشراء منظومات تحلية المياه طالما ان الملوحة الحالية ليست عالية مقارنة بملوحة مياه البحر.
سابعاً
التركيز على تنفيذ سدود حصاد المياه في المناطق الغربية و الشمالية و الجنوبية و الشرقية في العراق لغرض الاستفادة من مياه السيول القادمة من تلك الدول و تقليل الضغط على استخدام المياه السطحية للانهر الرئيسية و فروعها و لها فوائد اخرى تكمن في استقرار الناس في تلك المناطق مع تغذية للمياه الجوفية و زرع الامن في هذه المناطق التي تعتبر نائية و لايمكن توفير الخدمات لها.
ثامناً
ضرورة استكمال منظومة الخزن و التشغيل الرئيسية من السدود والنواظم وخصوصا ضرورة تنفيذ سد خزني شمال سدة سامراءفي منطقة تلال مكحول لضمان السيطرة على الفيضانات التي تحصل دائما في هذة المناطق الموجودة في العراق والاستفادة منها دون الحاجة الى تحويل مياه الفيضانات كلها الى بحيرة الثرثار حيث ان المياه التي تتحول للثرثار تتاثر نوعيتها بالملوحة وكذلك التبخر العالي
كما ان تنفيذ هذا السد سوف يحمي العاصمة العراقية بغداد من خطر الفيضان نتيجة لتقادم سدة سامراء المنفذة في خمسينيات القرن الماضي وكذلك عدم وجود اي مصد لمياه الفيضان للمسافة من سد الموصل في محافظة نينوى لغاية سدة سامراء في محافظة صلاح الدين
كما ويتطلب من اصحاب القرار استمرار التفاوض مع دول منابع نهري دجلة والفرات وروافدهم واستخدام كافة الوسائل للتوصل إلى تفاهمات والتي تفضي الى اتفاقات ملزمة فيما يخص الحصص المائية بما يلبي مصلحة العراق.
تاسعاً
من الضروري للحكومات المحلية في جميع محافظات العراق وبالتنسيق مع الوزارات المختصة وبدعم من المنظمات الدولية المعنية بموضوع المياة ترسيخ مفهوم الحفاظ على المياة وعدم هدرها من خلال توعية المواطنين عموما والمزارعين خصوصا كون الزراعة تعتبر المستهلك الاكبر للمياه والعمل على تشجيع المزارعين على استخدام تقنيات الري الحديثة وعلى الحكومة ان تدعم اسعار هدة التقنيات و يتطلب ان تقوم الحكومة بتنفيد مشاريع ريادية تتوفر فيها كل التقنيات الحديثة لغرض تشجيع المزارعين عليها
عاشراً
نرى من الضرورة القصوى ان يحدد بشكل واضح الية دعم الفلاحين جميعا فيما يخص محصول الحنطة والشعير والشلب التي تستهلك كميات مياة كبيرة حيث نلاحظ وجود طريقتان اولهما شراء محصول الحنطة من الفلاح باضعاف السعر العالمي لغرض تشجيع الفلاحين على الزراعة وثانيهما ان الدولة تدعم البذور والمبيدات بالاضافة الى شراء المحصول وملاحظاتنا حول هذة الالية التي كان معمول بها خلال سنين الحصار في التسعينيات انة يتطلب اعادة النظر بها لضمان عدم التجاوز على الحصص المائية وخصوصا في حالات الشحة
كما يتطلب ان يتم دعم الفلاحين الذين يقومون بزراعة المحاصيل الاخرى والتي لاتستهلك مياه كثيرة والمستخدمة بشكل كبير وكذلك يتطلب حماية المنتوج والمحاصيل المحلية
احد عشر
ضرورة ان تقوم وزارة الزراعة بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية بالتحول الى الزراعة الذكية مناخيا عن طريق استخدام نظام الاستشعار عن بعد و نظام الانذار المبكر مع ضرورة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقدير الاحتياجات المائية
اثنا عشر
ضرورة استمرار وتكثيف اللقاءات الفنية بين المختصين مع الدول المتشاطئة لحوضي نهري دجلة الفرات وبالخصوص مع تركيا وسوريا والجمهورية الاسلامية في ايران واعتماد مبدا الدبلوماسية المائية لغرض التوصل الى تفاهمات توصل بالنهاية الى اتفاقات ملزمة بخصوص الحصص المائية لكل دولة من هذة الدول دون الاضرار بحصص دولة المصب وحسب القانون الدولي ومواثيق الامم المتحدة بهذا الخصوص ولان العراق يمثل دولة المصب بين هذة الدول فيجب ان تؤخذ حصصة المائية اهمية بالغة بنظر الاعتبار
ثلاثة عشر
في ظل استمرار مشاكل الطاقة الكهربائية في العراق يتطلب ان تدعم وزارة الموارد المائية بتهيئة استخدام الطاقة الشمسية في اغلب مشاريعها لغرض تلبية متطلبات الارواء
تنويه: الآراء الواردة في هذه الورقة تعبر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي للمعهد.



