دراســــة سياســــات | سياسة | العراق

الفائض، والتعليق، والمحو: مواجهة الأرشيفات المادية لنظام صدام

تمهيد

غالباً ما يُختزل المعمار الصرحي للأنظمة السلطوية باعتباره مجرد مشهد سياسي أو يُهمش إلى تخوم البحث التاريخي. وتتحدى هذه المقالة هذا الافتراض من خلال إعادة تأطير هذه الهياكل مفاهيميا بوصفها أرشيفات أساسية للعدالة الانتقالية، وإن كانت مهملة إلى حد كبير. وبالاعتماد على خبرة واسعة في إدارة الأرشيف العراقي وسياسات الذاكرة، تتبع المقالة مصير مواقع أيقونية تتراوح من بانوراما القادسية إلى مجمع القصور الرئاسية الشاسع، كاشفةً أوجه القصور المؤسسي العميقة التي شكلت تعامل العراق بعد عام 2003 مع البقايا المادية للديكتاتورية. ومن خلال تقديم إطار تحليلي ثلاثي يتكون من: الفائض، والتعليق، والمحو، تُظهر الدراسة كيف أن تدمير هذه المواقع وهجرها وإهمالها، جنباً إلى جنب مع السجلات الوثائقية المرتبطة بها، قد أفضى إلى تآكل لا رجعة فيه للحق في معرفة الحقيقة. وبدلاً من أن تكون هذه الهياكل مجرد بقايا مادية محايدة لنظام بائد، فإنها تشكل مستودعات بالغة الأهمية للأدلة التاريخية التي أدى فقدانها إلى إضعاف فرص المساءلة العامة، والمراجعة الجماعية، وبناء الذاكرة الديمقراطية. ومن خلال وضع التجربة العراقية إلى جانب أمثلة مقارنة من تشيلي ودول أخرى، تسلط المقالة الضوء على مقاربات بديلة لمواجهة الإرث الصعب والحفاظ على المواقع المرتبطة بعنف الدولة والحكم السلطوي. وهي تقدم في النهاية حجة لنموذج جديد لإدارة التراث: نموذج يصون الإرث المعماري المرتبط بالاضطهاد لا للاحتفاء بالسلطة السلطوية أو شرعنتها، بل لكشف أسسها الأيديولوجية واستجوابها وتفكيكها. وبذلك، تؤكد المقالة على الدور الأساسي للبيئات المبنية المتنازع عليها في ضمان الحق في معرفة الحقيقة، وتعزيز المشاركة المدنية، وترسيخ ذاكرة عامة أكثر ديمومة ونقداً للذات.

يمثل الإرث الصرحي والمعماري لعهد صدام حسين بعدًا ظل مهمشا نظريا بشكل منهجي للعدالة الانتقالية في عراق ما بعد الصراع، وهو بُعد يمتد بشكل ملحوظ إلى ما هو أبعد من حدود المساءلة القانونية إلى المجالات الثقافية والأرشيفية التي تشكلت من خلالها السلطة السلطوية، وجُعلت تبدو طبيعية، واستديمت عبر عقود من حكم البعث. وكما هو الحال مع الموروثات المماثلة المرتبطة بأنظمة سلطوية سابقة أخرى، لا ينبغي اختزال هذا التراث المبني في مجرد إنتاج جمالي أو تنظيم مكاني. بل إن المعمار الصرحي في ظل الحكم السلطوي، كما أوضحت صوفيا بيرمان، يعمل كأداة مدروسة للتحكم السياسي، مستخدماً الحجم الهائل، والتناظر الشكلي، والتفضيل المتعمد للطراز الكلاسيكي لجعل سلطة الدولة غير قابلة للطعن سيكولوجياً وثابتة تاريخياً[1]. وبهذا المعنى، تعمل هذه الهياكل كأرشيفات مادية بصرية؛ مستودعات منظمة مكانياً تشفر وتنقل المنطق السياسي والأيديولوجي والإداري المقوم لنظام تاريخي معين، والتي لا يشكل تدميرها أو إهمالها مجرد خسارة جمالية أو تراثية فحسب، بل خسارة أرشيفية أيضاً، مما يقضي على مواد إثباتية لا تقل أهميتها للمساءلة التاريخية عن السجلات الوثائقية التي فُحصت في الأقسام السابقة من هذه الدراسة.

إن الاشتباك النقدي مع هذا الإرث في عراق ما بعد عام 2003 يتطلب إطاراً صارماً منهجياً قادراً على التوفيق بين ضرورتين متمايزتين تحليلياً ولكنهما مترابطتان أخلاقياً: الحفاظ على الأدلة المادية وفقاً لمبدأ المنشأ في علم الأرشيف، وتحقيق جبر الضرر الرمزي لأولئك الذين عانوا في ظل سلطة النظام. وإن التوثيق الشامل للمواقع ذات الصلة، والمنفذ بصورة منهجية قبل أي تعديل أو إزالة أو إعادة استخدام للموقع، من شأنه أن يشكل ركناً لا غنى عنه للحق في معرفة الحقيقة والضمان المؤسسي لعدم التكرار. ويكتسب هذا المسعى إلحاحاً خاصاً ضمن البُعد الثقافي للعدالة الانتقالية، وهو مجال يمتد إلى ما هو أبعد من المساءلة القضائية وآليات جبر الضرر ليشمل مجموعة أوسع من القرارات المتعلقة بالمقابر الجماعية، ومرافق الاحتجاز، وأرشيفات الدولة السرية، ومقرات الأمن والمخابرات، ومعسكرات الاعتقال العسكرية، والبنية التحتية التذكارية والصرحية الأوسع التي سعى النظام السابق من خلالها إلى شرعنة سلطته وتوطيدها. وعند وضع السجلات الإدارية والفنية المرتبطة بهذه الهياكل ضمن إطار شامل للعدالة الانتقالية، فإنها تكتسب أهمية على صعيد انتاج المعرفة والسياسة: إذ إن دمجها المنهجي في عمليات إدارة التراث من شأنه أن يسهل تحويل هذه المواقع إلى مساحات ذاكرة منسقة نقدياً، ومؤسسات قادرة على دعم البحث التاريخي الصارم، وتعزيز الاعتراف العام بالفظائع الماضية، والمساهمة بشكل هادف في المشروع طويل الأمد للمصالحة الاجتماعية. إن الفشل في تطوير مثل هذا الإرشاد لا ينتج عنه نتيجة محايدة؛ بل ينتج عنه على وجه التحديد ذلك النوع من مشهد ذاكرة مختلا مؤسسياً وغير مترابط تاريخياً والذي تؤطر فيه ذاكرة الضحايا حرفياً من خلال تمجيد جلاديهم؛ وهي حالة تجسد، في شكل مكاني ورمزي، نفس منطق الذاكرة الانتقائية والمحكومة سياسياً التي ميزت السياسات الأرشيفية للعراق طوال الفترة المفحوصة في هذه الدراسة.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تطورت العدالة الانتقالية إلى مجال متنوع مؤسسياً، يضم مجموعة متوسعة من الآليات، من بينها الملاحقات الجنائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، والإصلاحات المؤسسية الهيكلية، الموجهة بشكل جماعي نحو مواجهة موروثات القمع المنهجي وتأسيس الركائز المعيارية والإجرائية التي يمكن بناء الحكم الديمقراطي عليها. ومع ذلك، فقد أظهر هذا المجال ميلاً مستمراً وذا عواقب تحليلية واضحة لإهمال البنية التحتية الثقافية والرمزية التي لا يتم من خلالها إنفاذ الحكم السلطوي فحسب، بل جعله يبدو متماسكاً معرفياً، وجعله يبدو طبيعياً، وكأنه قدر تاريخي محتوم، وحتمياً سياسياً على مستوى التجربة الجماعية المعاشة. إن الأنظمة السلطوية، كسمة هيكلية لحوكمتها، تستثمر بشكل كبير في تنمية البيئات الأيديولوجية التي تكمل وتمدد جهازها القمعي، مشيدةً من خلال العمارة، والتخطيط الحضري، والممارسة التذكارية، والإنتاج الصرحي الشروط التي يظهر بموجبها تمركز السلطة كتعبير عن ضرورة تاريخية بدلاً من كونه نتاجاً لعنف منظم.

وفي السياق العراقي، اتخذت هذه العمارة الأيديولوجية شكلاً مكانياً وصرحياً ملموساً عبر مجموعة من المواقع، التي تمتد أهميتها لتحليل حكم صدام إلى ما هو أبعد من أبعادها المادية. إن مواقع مثل بانوراما القادسية، والشبكة الواسعة من القصور الرئاسية الموزعة على الأراضي الوطنية، والمشاريع المرموقة بحجم وطموح جامع الرحمن، شكلت معا نقاط ارتكاز داخل نظام أوسع ومنظم بشكل متسق أُنتجت من خلاله الهوية الجماعية، والسلطة السياسية، والمعنى التاريخي، وأُديرت، ونُشرت بين السكان الخاضعين في الوقت نفسه للمراقبة، والقمع، والتدمير المنهجي للحياة المدنية والثقافية المستقلة. لم تكن هذه المواقع مجرد تجسيد لرؤية النظام السابق للعالم بشكل سلبي أو عارض؛ بل تواصل نقلها وتعيد إنتاجها بفعالية، مشكلةً آفاق الإدراك العام، ومهيكلةً الذاكرة الجماعية، وحشد السكان في خدمة صراع عسكري وسياسي مؤطر أيديولوجياً. وكما تُظهر الدراسة التأسيسية لغافرييل روزنفيلد حول البيئة المبنية لعهد الاشتراكية الوطنية (النازية) في ألمانيا، تعمل العمارة والتخطيط الحضري بوصفهما أداتين رئيسيتين تنخرط المجتمعات من خلالهما، سواء بشكل نقدي، أو متناقض، أو مراوغ، مع البقايا المادية للتاريخ العنيف والقمعي. ويكشف تحليل روزنفيلد كيف أن التفاوض حول هذه المساحات ليس محايداً سياسياً بأي حال من الأحوال: إنه يشكل مجالا للتنازع النشط حول شروط الذاكرة التاريخية والفهم الجماعي للذات، وتترتب على نتائجه عواقب تمس مصداقية وتماسك إطار العدالة الانتقالية الذي تحدث ضمنه. [2]  

ويترتب على ذلك أن الحفاظ على مثل هذه المواقع في سياق ما بعد السلطوية لا ينبغي تفسيره كفعل تذكاري للاحتفاء، فضلاً عن كونه شرعنة، كما تدعي الفصائل الإسلامية الشيعية المتشددة. بل على العكس من ذلك، عند مقاربتها من خلال إطار تراثي واعي نقدياً، تقدم هذه الهياكل فرصة معرفية استثنائية للبحث العام الصارم في آليات عنف الدولة وجمالياته ومنطقه المكاني، محولةً الأدوات المادية للتمثيل الذاتي السلطوي إلى موارد للمساءلة التاريخية، والتعليم المدني، والفحص النقدي المستمر لكيفية إضفاء الطابع الطبيعي على السلطة لنفسها من خلال البيئة المبنية. لذلك، لم يكن السؤال المركزي في لحظة تغيير النظام مجرد ما إذا كان حكام العراق الجدد بعد عام 2003 يدركون القيمة الإثباتية للحفاظ على مثل هذه المواقع، بل ما إذا كانوا يمتلكون القدرة المؤسسية، والإرادة السياسية، والفهم الأرشيفي اللازم لإدارة ذلك الحفاظ بطرق تتناسب مع أهميته للعدالة الانتقالية. ويظهر التحليل التالي أنهم لم يمتلكوا ذلك؛ وأن عواقب هذا الفشل على السجل التاريخي للعراق هي، في جوانب كبرى منها، غير قابلة للعكس.

تمثل بانوراما القادسية حالةً دراسيةً كاشفةً وغنيةً تحليليًا في العلاقة بين الثقافة الصرحية والإنتاج الأيديولوجي السلطوي، وبالتبعية، في فهم تداعيات الإخفاق في تطوير استجابة مبدئية لحوكمة التراث والأرشيف إزاء الإرث الصرحي لعهد صدام. إذ صُمم المجمع ووُضع موضع التنفيذ عند بداية الحرب العراقية الإيرانية كأداة دعائية ترعاها الدولة للتعبئة الأيديولوجية الجماهيرية، بهدف استراتيجي غايته حشد التأييد الشعبي لمواجهة عسكرية مطولة ومكلفة للغاية. ومن خلال الإحياء وإعادة التفعيل المتعمد لمعركة القادسية في القرن السابع الميلادي، أعاد النظام صياغة صراع جيوسياسي معاصر ذي تعقيد إقليمي كبير باعتباره صراعاً حضارياً ذا طابع تاريخي موغل في القدم؛ مواجهة بين العرب والفرس تجاوزت الملابسات التاريخية واتخذت طابع المصير الثقافي. وخدم هذا التأطير الأيديولوجي وظيفة سياسية دقيقة: فمن خلال تقديم الحرب كامتداد لانتصار قديم ومحتفى به، وضع النظام صدام حسين ليس فقط كرئيس دولة، بل وريثاً شرعياً لإرث تاريخي عميق، متمتعاً بسلطة شبه أسطورية تضاهي سلطة أسلافه في القرن السابع، ليغدو بمنأى عن المساءلة السياسية العادية.

شكّل مشروع بانوراما القادسية جزءًا من مشروع أوسع قادته الدولة، حشد فيه النظام السابق المؤرخين والآثاريين والأيديولوجيين العراقيين لإعادة صياغة تاريخ وادي الرافدين والتاريخ العراقي الحديث وفقًا للمنطلقات الأيديولوجية لحزب البعث. وقد اعتمد هذا المشروع على نحوٍ مكثف على مواد أرشيفية فُسِّرت بصورة انتقائية وأُطِّرت استراتيجيًا لدعم سردية سياسية محددة سلفًا. ويكتسب هذا البعد الأرشيفي لإنتاج البانوراما أهميةً تتجاوز المجال التوثيقي، إذ يكشف أن البرنامج المعماري الصرحي للنظام لم يكن مجرد ظاهرة مكانية، بل كان ظاهرة أرشيفية أيضًا، اعتمدت على التوظيف الموجَّه للسجلات التاريخية لشرعنة الادعاءات الأيديولوجية المضمَّنة في البيئة المبنية. وبناءً على ذلك، فإن التدمير المنهجي للسجلات الإدارية والوثائقية المرتبطة بهذا المشروع في مرحلة ما بعد الغزو لم يقضِ على التوثيق المعماري فحسب، بل أطاح أيضًا بالأساس الدليلي لفهم الكيفية التي وُظِّفت بها السجلات التاريخية نفسها بوصفها موارد للإنتاج الأيديولوجي؛ وهي خسارة تمتد آثارها على التحليل النقدي لحكم ما قبل عام 2003 إلى ما هو أبعد من مجال التاريخ المعماري.

إن استراتيجية التعبئة الأيديولوجية التي وُظِّفت من خلال البانوراما امتدت إلى ما هو أبعد من التقاليد المتعارف عليها للدعاية المؤسسية. فقد انطوت على إعادة توظيف السرد التاريخي وإعادة تنظيمه بصورة منهجية عبر ترسانة من التقنيات الحسية الغامرة، والتجهيزات الصوتية والضوئية المعقدة، والمفردات الرمزية الدينية الكثيفة، وسرديات البطولة والشهادة المصممة بعناية، التي جرى من خلالها تعزيز الارتباط العاطفي وطمس الحدود بين التمثيل التاريخي والمشاركة السياسية المعاصرة بصورة متعمدة. ويُعد التوظيف الأداتي للمفردات الرمزية الإسلامية ضمن ما قُدِّم رسميًا بوصفه إطارًا قوميًا علمانيًا أمرًا ذا دلالة تحليلية بحد ذاته، إذ يكشف عن الطابع النفعي الجوهري للإنتاج الأيديولوجي في عهد صدام؛ وهو نظام كان مستعدًا لاستثمار أي سجل رمزي متاح، سواء كان دينيًا أم تاريخيًا أم حضاريًا أم أسطوريًا، لخدمة أهداف سياسية مباشرة. ولم يكن تماسك هذا النظام نابعًا من اتساق أيديولوجي، بل من قدرته التنظيمية على إدارة الموارد الرمزية وتوظيفها في خدمة السلطة.

وفي الوقت نفسه، عملت البانوراما بوصفها آليةً للإقصاء الداخلي والضبط الاجتماعي والسياسي، وهي وظيفة لا تقل أهميةً من الناحية التحليلية عن دورها في التعبئة الخارجية. فقد شيّدت سرديتها الرئيسة ثنائيةً تقابليةً جامدة بين الهويتين الحضاريتين العربية والفارسية، وهو بناء خطابي انطوى بالضرورة على المحو المنهجي للتنوع الإثني والطائفي والثقافي العميق الذي شكّل المجتمع العراقي عبر تاريخه. ونتيجة لذلك، غُيِّب الشيعة، والكرد، والتركمان، والمسيحيون، وسائر المكونات التي لم يكن بالإمكان استيعاب هوياتها أو التوفيق بينها وبين الرؤية القومية الإثنية للنظام. وهكذا أدّى النصب وظيفةً مزدوجةً ومتسقةً داخليًا: فمن جهة، كان أداةً للتعبئة العسكرية الخارجية، ومن جهة أخرى، آليةً للتوحيد الرمزي الداخلي، فرضت على المجتمع العراقي، وهو مجتمع تعددي بطبيعته، متخيَّل أمة عربية موحدة ثقافيًا تسير تحت قيادة صدام نحو مصيرها الحضاري. وتكشف هذه الازدواجية إلى أي مدى لم يكن الإنتاج الثقافي في ظل نظام ما قبل عام 2003 عنصرًا هامشيًا في منظومة الحكم، بل كان متجذرًا في استراتيجياته الأوسع للإدارة السياسية، والضبط الاجتماعي، والإدارة الأرشيفية، ومكوِّنًا أساسيًا لها.

إن تدمير هذا الموقع وإهماله بصورة منهجية بعد عام 2003 يمثل خسارةً بالغة الأثر لمشروع العدالة الانتقالية، وهي خسارة لم تحظَ تداعياتها الكاملة حتى اليوم بما تستحقه من اهتمام في كلٍّ من الخطابين الأكاديمي والسياسي. فلم يؤدِّ الهدم والهجر إلى القضاء على الهياكل المادية ذات القيمة التاريخية فحسب، بل أطاح أيضًا بأرشيفات تمثل أدلة تاريخية لا يمكن تعويضها، توثق الكيفية التي أُنتجت بها الأيديولوجيا السلطوية، ووُظِّفت، واستُديمت على مستوى التجربة الجماعية المعاشة. كما أن الإخفاق في الحفاظ على هذا النصب وإعادة تفسيره تفسيرًا نقديًا قد أغلق فرصًا مهمة لفحص الكيفية التي بُنيت بها الأساطير التاريخية ونُشرت من خلال التوظيف الانتقائي للمواد الأرشيفية والتاريخية، وكيف شُكِّلت الهويات الجماعية وضُبطت، وكيف جرى حشد مجتمعات بأكملها عبر الإدارة الاستراتيجية للموارد الرمزية.

ويشوّه الخلط بين الحفاظ على التراث والمصادقة عليه (أو تأييده) – وهو موقف اختزالي تبنته بقوة بعض تيارات الثقافة السياسية في مرحلة ما بعد الغزو – الطبيعة الأساسية لحوكمة التراث القائمة على الوعي النقدي. فالحفاظ، في إطار صارم للعدالة الانتقالية، لا يعيد إنتاج منطق الهيمنة، بل يكشفه ويجعله موضوعًا للفحص النقدي المستمر، محولًا الأدوات المادية للتمثيل الذاتي السلطوي إلى موارد للمساءلة التاريخية والتعليم المدني. ومن ثم، فإن الموقع الذي يُقارب بهذه الكيفية لا يحتفي بالنظام، كما زعمت الجماعات الشيعية المدعومة من إيران التي تولت تدميره بعد عام 2003، بل يوثق جهازه الأيديولوجي ويفككه، محولًا ما كان يومًا أداةً للتلاعب بالجماهير إلى موردٍ للفهم النقدي الجماعي.

وتقدم التجارب الدولية المقارنة شواهد مقنعة على القيمة التحليلية والجدوى العملية لهذه المقاربات في سياقات متنوعة لما بعد السلطوية. ففي تشيلي، أُعيد تأسيس “فيلا غريمالدي”، التي كانت يومًا من بين أبشع مراكز الاحتجاز والتعذيب السرية التي أدارتها ديكتاتورية بينوشيه، بوصفها “حديقة السلام”، مع دمج نماذج معمارية لزنازين الاحتجاز و”جدار للأسماء” التذكاري، بما يتيح للزوار مواجهة الواقع المادي والمكاني للاختفاء القسري الذي ترعاه الدولة ضمن إطار تعليمي يهدف صراحةً إلى التثقيف في مجال حقوق الإنسان. [3] كما توجد سابقة ذات أهمية خاصة داخل العراق نفسه، ففي مدينة السليمانية بإقليم كردستان، جرى تحويل مرفق الاحتجاز والتعذيب التابع للنظام السابق، المعروف باسم “أمنه سوركه” (الأمن الأحمر حرفيًا)، إلى متحف للضمير يوثق توثيقًا جنائيًا دقيقًا الفظائع المنهجية التي ارتُكبت داخل جدرانه، ويعمل في الوقت نفسه منصةً تعليميةً رئيسةً للأجيال المتعاقبة الساعية إلى فهم حجم الفظائع التي ارتكبها النظام بحق السكان الأكراد، ولا سيما خلال حملات الأنفال ذات الطابع الإبادي عام 1988. وتظهر هذه الحالات مجتمعةً أن تحويل مواقع القمع إلى مساحات ذاكرة منسقة نقديًا ليس مبررًا أخلاقيًا فحسب، بل ممكن أيضًا من الناحيتين العملية والمؤسسية، وأن مثل هذه التحولات تمثل إحدى أقوى الأدوات المتاحة لمجتمعات ما بعد السلطوية الساعية في آنٍ واحد إلى تحقيق المساءلة التاريخية والوقاية البنيوية من العنف مستقبلاً. ويكشف التباين بين هذه الأمثلة الناجحة وإعادة التوظيف الإشكالية لنصب الشهيد، بوضوح خاص، عن تفضيل مؤسسي لذاكرة مطهرة ومحكومة سياسيًا. وكما اتضح سابقًا، وجهت مؤسسة الشهداء مواردها المؤسسية نحو إعادة صياغة نصب شُيّد في الأصل لخدمة المشروع الأيديولوجي للديكتاتور، بدلًا من توجيهها إلى الحفاظ الفعلي وإعادة التفسير النقدي للمواقع التي تجسد البنية المادية للقمع. وقد جاء هذا الخيار المؤسسي على حساب الاشتباك الأكثر مباشرةً وعمقًا مع الحقيقة التاريخية التي تقوم عليها أي عملية موثوقة للعدالة الانتقالية.

ويكشف تحليل الهيكل غير المكتمل المعروف باسم “جامع الرحمن” عن رؤية ذات قيمة نظرية؛ فهذا الموقع يجعل منه مجرد عدم اكتماله أحد أكثر النصب دلالةً من الناحية التحليلية في مشهد ما بعد صدام. وعلى خلاف بانوراما القادسية، التي حققت وظيفتها الأيديولوجية من خلال التوظيف الكامل لجهازها الغامر، يستمد جامع الرحمن أهميته تحديدًا من حالته المعلقة وغير المكتملة. فقد شُرع في إنشائه عام 1999 في ظل ضغوط اقتصادية دولية حادة فرضها نظام العقوبات التابع للأمم المتحدة، ثم تُرك دون إكمال نتيجةً مباشرةً لغزو عام 2003 وما أعقبه من تحولات سياسية. وبهذا المعنى، يجسد ما يمكن تسميته، من الناحية التحليلية، “لحظة الانهيار النسقي”، إذ يمثل تجسيدًا ماديًا للحظة التي فقدت فيها الدولة قدرتها على تجسيد طموحاتها السياسية في شكل معماري مكتمل، وأصبحت فيها الفجوة بين الصورة الأيديولوجية التي رسمها النظام لنفسه وقدرته المؤسسية الفعلية واضحةً على المستوى المعماري.

ومع ذلك، فإن استمرار حضوره المادي في المشهد الحضري لا يمثل مجرد إخفاق معماري أو إهمال إداري. بل على العكس، يؤدي عدم اكتمال المسجد وظيفةً أرشيفيةً فريدة لا يمكن تعويضها؛ إذ يكشف بوضوح تفتت السلطة السياسية، وتراكم السيادات المتنافسة، والهشاشة العميقة للمعنى التاريخي، وهي سمات تميز، مجتمعةً، التجربة الوطنية العراقية الحديثة. فبينما يفرض الهيكل المكتمل خطابًا أيديولوجيًا واحدًا ومغلقًا على البيئة المبنية، يحتفظ الهيكل غير المكتمل بأثر التمزق التاريخي ذاته، مُبقيًا الصراع السياسي الذي أنتجه معلقًا دون حسم. وبهذا المعنى، يغدو نظيرًا معماريًا للهشاشة الأرشيفية البنيوية التي حددها الجزء الأول من هذه الدراسة بوصفها سمةً مميزةً للمشهد الأرشيفي العراقي في مرحلة ما بعد الغزو.

وكما تذهب مريم عثمان في تحليلها، فإن الوضع غير المحسوم للموقع، الذي خُصِّص في الأصل ضمن إطار مذهبي سني، يكشف بوضوح عن الصراع المستمر والمتنازع عليه بشدة حول المعنى السياسي في عراق ما بعد عام 2003. [4] فقد أدت الانتقالات المتعاقبة للسيطرة الفعلية على الهيكل بين الفاعلين المتنافسين، ولا سيما حزب الفضيلة، إلى تحويل الموقع تدريجيًا إلى تجسيد مكاني للخصومات الطائفية والأيديولوجية الأوسع التي ما تزال تشكل بنية الحياة السياسية العراقية. وفي هذا السياق، فإن أي محاولة لاستكماله لن تكون قرارًا معماريًا محايدًا، بل تدخلًا سياسيًا بالغ الأثر، يفرض بالضرورة سردية تاريخية واحدة وإقصائية على موقع يستمد أهميته تحديدًا من قدرته على احتواء تفسيرات متعددة يستعصي التوفيق بينها.

وتترتب على هذا التحليل آثار معيارية ومؤسسية مهمة؛ إذ يقدم مقترح عثمان بإعادة تخيل هذه المواقع بوصفها فضاءات مدنية جامعة، لا تُستكمل وفقًا لأي برنامج مذهبي أو أيديولوجي واحد، ولا تُمحى في خدمة سردية زائفة للإغلاق التاريخي، نموذجًا للتعامل النقدي مع البقايا المعمارية للحوكمة السلطوية. وينطلق هذا النهج من الاعتراف بأن الانفتاح التفسيري للنصب غير المكتمل أو المحفوظ نقديًا يمثل ميزة لا نقصًا، بما يتيح للبيئة المبنية أن تؤدي دور الوسيط الذي يُعترف من خلاله بالتعقيد التاريخي، وتصبح فيه الذكريات المتنافسة قابلة للفهم المتبادل، ويُمنح السعي إلى التعايش تعبيرًا مكانيًا ومؤسسيًا. وعلى خلاف المقاربات التي تسعى إلى حسم التراث المتنازع عليه، إما بالهدم أو بالاستكمال الموجَّه أيديولوجيًا، يقاوم هذا النموذج الإغلاق المبتسر، ويتيح للعمارة أن تؤدي ما عجزت الآليات القانونية والقضائية عن تحقيقه مرارًا، ألا وهو الإقرار المستمر بأن معنى الماضي العنيف والمتنازع عليه يظل، بحق، موضوعًا للتفاوض الجماعي المستمر.

إن إشكالية التراث المعماري غير المحسوم التي يقوم عليها تحليل جامع الرحمن تتجلى بصورة موازية، وعلى نطاق أوسع في بعض الجوانب، في الشبكة الواسعة من القصور الرئاسية التي شُيِّدت في ظل نظام صدام؛ وهو إرث يضم ما بين ثمانين ومئة مجمع منفصل موزعة في أنحاء العراق، ويشكل ربما أضخم تجليات الإرث الصرحي للنظام من حيث الحجم المادي والامتداد المكاني. وقد كُلِّف بتشييد معظم هذه المجمعات في أعقاب حرب الخليج عام 1991، وهي مرحلة شرع فيها النظام، بعد نجاته من الهزيمة العسكرية وخضوعه لعقوبات دولية قاسية، في برنامج استثنائي لإعادة تأكيد حضوره الصرحي؛ وهو برنامج كان استجابةً للهشاشة الداخلية بقدر ما كان تعبيرًا عن السلطة. وتجلى هذا البرنامج في صورته المكانية والمادية من خلال فائض مدروس ومنهجي تمثل في أحجام هائلة، وبذخ مادي لافت، وهجانة أسلوبية استلهمت في آنٍ واحد مرجعيات بابلية، وإسلامية، وكلاسيكية أوروبية محدثة، لترسيخ صورة للديمومة السيادية والسلطة الحضارية. [5] وكما يبين أوين فينس في تحليله، فإن هذه الهياكل لم تُصمم ولم تُستخدم يومًا بوصفها مجرد مقار سكنية، بل وُظِّفت أدواتٍ متكاملةً للضبط السياسي، والاستعراض السلطوي، وإدارة الحضور في السياسة الخارجية، وصيغت أبعادها المادية الطاغية وحضورها الجمالي المدروس بحيث تبث الرهبة والإبهار، وتجعل الأسس القمعية لسلطة النظام عصيةً على التشكيك، مكانيًا ونفسيًا.

وفي هذا السياق، تمثل شبكة القصور نظيرًا معماريًا للجهاز الأيديولوجي الذي جرى تحليله في الأقسام السابقة؛ فهي بيئة مبنية لم تُصمم لمجرد إيواء السلطة، بل لإظهارها بوصفها أمرًا طبيعيًا وترسيخها في الوعي العام، لتعمل جنبًا إلى جنب مع الجهاز الوثائقي للمراقبة والآلة الإدارية للتحكم في المواطنة بوصفها أحد المكونات الأساسية لمنظومة الهيمنة التي أقامها النظام. وإلى جانب ذلك، عززت الوظائف التشريفية والإدارية لهذه المجمعات مكانتها ضمن البنية الأوسع للحوكمة؛ فمن خلال استخدامها في الوقت نفسه فضاءاتٍ للطقوس الرسمية، والاستقبال الدبلوماسي، والتجسيد المادي للسيادة في أنحاء البلاد، جسدت القصور، في تنظيمها المكاني، المنطق الهرمي والإقصائي الذي حكم ثقافة السياسة قبل عام 2003 على نطاق واسع. وكان انتشارها عبر مختلف أنحاء العراق، من بغداد إلى تكريت، ومن الموصل إلى البصرة، يمثل في حد ذاته شكلًا من أشكال رسم الخرائط السياسية، وتجسيدًا ماديًا لادعاء النظام بسط سيطرته على كامل الجسد الوطني العراقي.

ولا يزال مصير غالبية هذه الهياكل، منذ عام 2003 وحتى اليوم، غير محسوم، بما ينطوي عليه ذلك من آثار عميقة. فقد خضعت قلة من هذه المجمعات لإعادة توظيف ظرفية في وظائف ثقافية أو تعليمية أو حكومية لا تستند إلى أي رؤية منهجية ترتبط بقيمتها التراثية. ويمثل ذلك نمطًا يعيد إنتاج، على مستوى عمارة القصور، المنطق ذاته الذي جرى رصده سابقًا في تعامل مؤسسة الشهداء مع نصب الشهيد؛ أي توجيه الموارد نحو إعادة توظيف منشآت النظام السابق لخدمة اعتبارات سياسية آنية، بدلًا من تحويلها، على أسس مؤسسية وأرشيفية، إلى أدوات حقيقية للمساءلة التاريخية.

ويبرز استثناء ذو دلالة خاصة يتمثل في تحويل أحد قصور صدام حسين في البصرة إلى متحف للآثار، وهو مشروع قادته في المقام الأول جهات خارجية، ولا سيما مؤسسات بريطانية وفرت التمويل والخبرة الفنية والإشراف على التنفيذ. ويحمل الطابع الخارجي لهذه المبادرة دلالة تحليلية واضحة؛ إذ يؤكد أن أبرز محاولات التحويل التراثي المنهجي في عراق ما بعد عام 2003 تحققت، إلى حد كبير، رغم الإطار المؤسسي للعدالة الانتقالية في الدولة العراقية، لا بفضله. [6]

لقد خضعت غالبية مجمعات القصور الرئاسية، منذ عام 2003، لأشكال متفاوتة من الإهمال، أو الاندثار، أو الاستحواذ المتنازع عليه من قبل فاعلين مؤسسيين متنافسين، لا تستند ادعاءاتهم إلى أي سياسة تراثية وطنية متماسكة. وكما يلاحظ فينس بحق، فإن هذه الحالة لا تمثل مجرد إخفاق إداري أو لوجستي، بل تكشف عن حالة أعمق من عدم اليقين السياسي والثقافي بشأن الكيفية التي يسعى بها المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد السلطوية إلى التعامل مع البقايا المادية لتجربته الحديثة في الاضطهاد المنهجي؛ وهي حالة لا يقل بُعدها الأرشيفي أهميةً عن بُعدها المكاني. إن غياب سياسة تراثية وطنية متماسكة قادرة على إدارة هذه الشبكة من المواقع بما يتناسب مع أهميتها التاريخية والتوثيقية يمثل فجوة هيكلية كبرى في منظومة العدالة الانتقالية في العراق، وله تداعيات مباشرة على الحق في معرفة الحقيقة، وبناء ذاكرة عامة نقدية، والمشروع طويل الأمد لترسيخ الديمقراطية.

وتستحق دعوة فينس إلى التحويل المنهجي لهذه المجمعات إلى مساحات مدنية مفتوحة للجمهور وبيئات متحفية منسقة نقديًا نقاشًا جادًا بوصفها أطروحة سياساتية في هذا السياق. فمن شأن برنامج كهذا أن يؤدي وظيفة ثلاثية ذات أهمية محورية للعدالة الانتقالية. فهو، أولًا، يتيح للمواطنين العراقيين الوصول الفعلي والاشتباك النقدي مع فضاءات كانوا محرومين منها بصورة مطلقة في ظل النظام السابق، وهو فعل يستعيد المعنى الرمزي لهذه المواقع، ولا تقتصر دلالاته المدنية والنفسية على مجرد إدارة التراث. وهو، ثانيًا، يوفر بنية تحتية مؤسسية للتفكيك النقدي للأساطير التي أحاطت بالاستراتيجيات الجمالية والمكانية التي شيدت السلطة السلطوية من خلالها ادعاءاتها بالديمومة والشرعية، محولًا البيئة المبنية للهيمنة إلى موضوع للبحث التاريخي والنقاش العام. وهو، ثالثًا، يسهم في المشروع الأوسع للمساءلة التاريخية من خلال الحفاظ، داخل المجال العام، على سجل مادي يجسد حجم النظام وطموحه، وفي نهاية المطاف هشاشته، وهو النظام الذي سعى، عبر الصرحية المنهجية للسلطة، إلى وضع نفسه فوق متناول الحكم التاريخي.

إن الحفاظ على ساحة الاحتفالات الكبرى في بغداد، وما آل إليه مصيرها اللاحق المتنازع عليه، يمثل ربما دراسة الحالة الأكثر ثراءً من الناحية التحليلية، والأغنى بالدلالات المؤسسية، ضمن الإشكالية الأوسع المتعلقة بكيفية اشتباك المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد السلطوية مع الإرث الصرحي لنظام صدام، بصورة اتسمت بالتردد والتناقض، وفي ظل غياب سياسة تراثية وطنية متماسكة. ويكشف مسار الساحة منذ عام 2003، على نحو خاص، عن تقاطع الضرورات السياسية المتنافسة، وإعادة التشكيل الطائفي، والأسئلة غير المحسومة المتعلقة بالذاكرة التاريخية، وهي عوامل تشكل، مجتمعةً، مجال حوكمة التراث الانتقالي في العراق.

لقد اتسم تلقي هذا النصب، منذ نشأته، بعدم استقرار تفسيري عميق ذي دلالة تحليلية واضحة. وكما يلاحظ كيرك سمبل، فقد استقطب المجمع طيفًا واسعًا من التوصيفات الجمالية والسياسية المتناقضة؛ إذ وُصف في الوقت نفسه بأنه رائع ومبتذل، وبطولي ومُهين، ورشيق ومشوَّه، وملهم وذا طابع كيتشي. ولا يعكس هذا التعدد في الأحكام مجرد اختلاف في الأذواق الجمالية، بل يكشف عن التناقض الأيديولوجي الأعمق الكامن في نصب تشكل إنتاجه، على نحو مباشر وموثق، من خلال التدخل الشخصي للديكتاتور نفسه. [7] فبدلًا من تكليف فنانين بإعداد برنامج فني متكامل، وضع صدام حسين بنفسه التصورات الأولية التي انبثق منها المشروع، ثم أوكل إلى فنانين محترفين، من بينهم خالد الرحال، وبعد وفاته المبكرة محمد غني حكمت، تجسيد تلك الرؤية تحت إشراف رئاسي مباشر وصارم. وكما يجادل كنعان مكية، الذي كتب دراسته النقدية تحت الاسم المستعار سمير الخليل، فإن هذا النمط من الإنتاج أفرز شكلاً من أشكال الكيتش الذي ترعاه الدولة، وشوَّه بصورة منهجية مفهوم التراث عبر تحويله إلى أداة للدعاية السياسية. ويجسد توصيف مكية لقوسي النصر بأنهما “كأس بولينج بعثي عملاق” بدقة الفشل الجمالي والأخلاقي لنصب استبدل التخليد الحقيقي للتضحية الجماعية بتمجيد ديكتاتورية شخصانية. [8]

وقام التنظيم المفاهيمي والمكاني للساحة على ثلاثة عناصر صرحية رئيسية شكلت، مجتمعةً، سردية ذات توجيه أيديولوجي، رغم انحيازها الواضح، للتضحية العسكرية والانتصار الوطني الحتمي. فنصب الجندي المجهول، الذي حل محل سلفه المرتبط ارتباطًا وثيقًا بعبد الكريم قاسم، الذي أطاح به البعثيون وقتلوه في انقلاب شباط 1963، افتُتح عام 1982 في ذروة الحرب العراقية الإيرانية بوصفه الموقع الرسمي للحداد والتذكار. غير أن تجريده الشكلي المتعمد أسهم، في الوقت نفسه، في فصل الحزن الجماعي عن أي تفكير نقدي في القرارات السياسية التي قادت إلى تلك الخسائر البشرية الهائلة. أما قوسا النصر، اللذان اكتمل بناؤهما عام 1989 مع وصول الحرب إلى نهايتها غير الحاسمة والمكلفة على نحو مدمر، فقد شكلا التجسيد الأكثر صراحة للدعاية داخل المجمع؛ إذ مثلت سواعدهما المنحوتة الضخمة، المصممة بدقة على غرار سواعد صدام حسين نفسه، وهي تقبض على سيوف صيغت من الأسلحة المذابة للجنود العراقيين القتلى، تجسيدًا مدروسًا لامتزاج عبادة الشخصية بالنصر العسكري. كما أن الإدراج المتعمد لخوذات عسكرية إيرانية غُنمت خلال الحرب، والمعلقة في شباك عند قاعدة القوسين، حول الهيكل إلى تمثيل مسرحي لا إنساني للانتصار على عدو متخيل، ليغدو تجسيدًا معماريًا للثنائية الحضارية التي تخللت الجهاز الأيديولوجي الأوسع للنظام. وقد دُمجت هذه العناصر الصرحية في مجمع مكاني واسع يضم ساحة عرض، ومقصورة استعراض، وبركة عاكسة، وملعبًا صُمم ليعمل بنيةً تحتيةً للمشهد الجماهيري، واستُكمل بسينما المنصور، ومسرح المنصور، وقاعة الفنون التشكيلية، ليتحول هذا الفضاء من موقع للتذكار إلى جهاز متكامل لإعادة الإنتاج المستمر لأيديولوجيا الدولة عبر سجلات متعددة للحياة العامة.

لقد أدى انهيار النظام في نيسان 2003 إلى دخول ساحة الاحتفالات الكبرى مرحلة طويلة ظل وضعها المؤسسي غير محسوم. ففي عام 2007، واجهت جهود رئيس الوزراء آنذاك، نوري المالكي، لهدم قوسي النصر، والمدفوعة بإعادة الاصطفاف الطائفي وما رافقها من مراجعة أيديولوجية ميزت المرحلة السياسية التي أعقبت الغزو مباشرة، مقاومة حاسمة من فاعلين ثقافيين محليين، وجهات دولية معنية بالتراث، وسفارة الولايات المتحدة في بغداد، الأمر الذي أدى إلى تعليق مشروع الهدم إلى أجل غير مسمى.

وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة من منظور العدالة الانتقالية، لأنها تكشف عن تعارض المنطق المؤسسي الذي حكم التعامل مع الإرث الصرحي بعد عام 2003. فقد عكست الدعوة إلى الهدم نزعةً سياسية إلى محو الرموز المادية للنظام السابق بوصفه بديلًا من أشكال أكثر جوهرية للمساءلة التاريخية. وهو منطق مؤسسي يوازي بصورة مباشرة توجه مؤسسة الشهداء نحو توظيف موارد التذكار في إعادة الاستخدام التجميلي لمنشآت النظام السابق، بدلًا من تحويلها، على أسس مؤسسية وأرشيفية، إلى أدوات حقيقية للمساءلة التاريخية. ويعكس كلا التوجهين، الهدم بوصفه محوًا رمزيًا، وإعادة التوظيف بوصفها استحواذًا رمزيًا، الإخفاق البنيوي نفسه، والمتمثل في إخضاع حوكمة التراث لمقتضيات السياسة الآنية التي تفرضها القوى المهيمنة على مؤسسات العدالة الانتقالية.

ومع أن الجهود التي حالت دون هدم قوسي النصر لم تستند هي الأخرى إلى إطار متماسك للتراث أو العدالة الانتقالية، فإنها جنبت العراق خسارة غير قابلة للتعويض، إذ أبقت على هيكل لا يزال قابلًا لإعادة التفسير النقدي حتى اليوم. أما بانوراما القادسية، فقد أدى تدميرها المادي، مقترنًا بضياع أرشيفاتها الوثائقية، إلى القضاء نهائيًا على إمكانات معينة لفهم التاريخ.

ويمثل الترميم الجزئي للموقع، الذي أُنجز عام 2011، بما في ذلك القرار المهم بإزالة الخوذات العسكرية الإيرانية المعلقة عند قاعدة قوسي النصر، محاولة لإعادة تشكيل الدلالة الرمزية للنصب استجابةً للتحولات التي شهدها المشهد السياسي الطائفي والإقليمي في عراق ما بعد الاحتلال، من دون أن تخضع عملية إعادة التشكيل هذه لأي مداولة عامة شفافة وتشاركية. كما مثلت إعادة افتتاح الساحة في حزيران 2023، وما رافقها من إعادة تأهيل تدريجية للمؤسسات الثقافية المرتبطة بها، انتقالًا ذا أهمية رمزية من فضاء للمشهد العسكري والتعبئة الأيديولوجية إلى فضاء يُفترض، من حيث المبدأ، أن يخدم الممارسة الفنية والمشاركة المدنية. ومع ذلك، تبقى مسألة ما إذا كان هذا الانتقال قد اقترن بإطار تفسيري واعٍ نقديًا، يُمكّن الزوار من الاشتباك تحليليًا مع النشأة السلطوية للنصب ووظائفه الأيديولوجية، سؤالًا لا تسمح الوثائق المتاحة حاليًا بالإجابة عنه بثقة.

وتزداد هذه الحالة غموضًا، وتتعاظم آثارها على الإطار النظري للعدالة الانتقالية الذي تطوره هذه الدراسة، بسبب ما يمثل ربما الجانب الأكثر جسامة والأصعب استردادًا في مصير الساحة بعد عام 2003، وهو الاختفاء شبه الكامل للأرشيف الوثائقي المرتبط بتصورها وتخطيطها وإنتاجها. فقد دُمِّرت الرسومات الفنية، والمخططات المعمارية، والتصاميم، والمراسلات الإدارية، وسجلات المشتريات، والتوجيهات التي أصدرها صدام حسين بنفسه خلال إشرافه المباشر على المشروع، عمدًا في فوضى الغزو وما تلاها، أو تشتتت بين مستودعات خاصة ومؤسسية لا يزال الوصول إليها متعذرًا أمام البحث الأكاديمي المنهجي. ولا تمثل هذه الفجوة الأرشيفية مجرد خسارة فنية أو هامشية، بل انتقاصًا جوهريًا من القاعدة الإثباتية التي ينبغي أن يستند إليها أي تفسير تاريخي نقدي للنصب. فالفجوة بين البقاء المادي للموقع واختفاء السجلات المؤسسية التي أنتجته تجعل منه أثرًا لا يمكن فهمه إلا جزئيًا، بعد أن انفصل عن العمليات البيروقراطية والجمالية والأيديولوجية التي منحته شكله ومعناه. وهذا هو، في جوهره، النمط نفسه الذي أفضى إلى تحويل نصب الشهيد إلى باليمبسست (مخطوط معاد الكتابة فوق نص ممحو) تأطرت فيه ذاكرة الضحايا بتمجيد جلاديهم، في غياب السجلات الأرشيفية والتوثيق السياقي اللازمين لتحويل مجموعة من الآثار المنزوعة من سياقها إلى مراجعة تاريخية مؤسَّسة توثيقيًا. وفي كلتا الحالتين، يؤدي غياب الحوكمة الأرشيفية، سواء عبر تشتيت السجلات المرتبطة بإنتاج العمارة الصرحية أو عبر الفشل في دمج الأدلة الوثائقية في فضاءات التذكار، إلى النتيجة نفسها: درجة متكافئة من الانقطاع التاريخي، بما يترتب عليها من آثار عميقة في مشروع العدالة الانتقالية.

وتكشف حالة “بوابة القدس” عن ديناميكية مماثلة من الناحية الهيكلية، لكنها تسلط الضوء على بُعد مختلف لا تقل عواقبه أهمية بالنسبة لسياسات الحفاظ على العمارة الصرحية في عراق ما بعد عام 2003. ويستدعي مسار هذا النصب بعد الغزو اهتمامًا تحليليًا خاصًا، لأنه يقاوم التصنيف السهل ضمن الأطر السائدة، سواء بوصفه حالة من المحو التدميري أو نموذجًا لإعادة استيعابه ضمن إطار تراثي نقدي. فعلى خلاف قوسي النصر، اللذين استهدفتهما مبكرًا دعوات إلى الهدم مدفوعة بإعادة الاصطفاف الطائفي والمراجعة الأيديولوجية، أو جامع الرحمن، الذي تعكس حالته غير المحسومة غياب توافق قادر على تحديد مستقبله، لم تتعرض بوابة القدس لا لهدم منهجي ولا لإهمال متعمد. ومع ذلك، فإن هذا الحفاظ النسبي لا يعكس وجود سياسة تراثية مبدئية أو متماسكة مؤسسيًا، بل يرتبط بطبيعة الحمولة الرمزية الخاصة للنصب، ولا سيما استدعاؤه للقضية الفلسطينية، واستمرار مركزيتها في الخطاب السياسي لدى مختلف الفاعلين العراقيين بعد عام 2003، رغم التباينات الأيديولوجية العميقة والصراعية التي تميز مواقفهم في معظم القضايا الأخرى.

لقد أدت الحمولة الرمزية للقضية الفلسطينية، في هذا السياق، دور رصيد رمزي مرن سياسيًا وقابل للتكيف أيديولوجيًا، أمكن الاستحواذ عليه وتوظيفه من قبل قوى سياسية متعاقبة، شملت خلفاء صدام، والحركات الإسلامية، والفصائل القومية، والفاعلين الإقليميين بالوكالة، من دون أن يُلزم أيًّا منها بمواجهة المنشأ السلطوي للنصب أو الشروط السياسية التي أُنتج في ظلها. ويشكل هذا النمط من الحفاظ الانتقائي القائم على المنفعة السياسية إحدى أكثر السمات دلالة في المشهد الصرحي للعراق بعد السلطوية. فهو يكشف بوضوح أن القرارات المتعلقة بمصير الإرث المعماري للنظام السابق لم تُبنَ على تطبيق منهجي لمبادئ العدالة الانتقالية، أو الحق في معرفة الحقيقة، أو ضمان عدم التكرار، أو مقتضيات التوثيق التاريخي النقدي، وإنما على مقدار المنفعة السياسية التي مثلها كل نصب بالنسبة إلى الفاعلين المتنافسين داخل النظام السياسي الذي نشأ بعد الغزو.

ويكتسب التصميم المعماري لبوابة القدس، في حد ذاته، دلالة تحليلية خاصة في هذا السياق. فسجلها الأسلوبي، الذي يدمج عناصر من المعاجم الرمزية الإسلامية، والقومية العربية، والسياسية الحديثة، يعكس المعاني الثقافية والسياسية المعقدة، والمتناقضة في كثير من الأحيان، التي امتصها الهيكل عبر الزمن. ولا يقتصر هذا المزيج على كونه سمة جمالية، بل يؤدي وظيفة الأرشيف، إذ يحتفظ في بنيته بتاريخ الاستخدام السياسي والتكيف الأيديولوجي الذي خضع له النصب عبر أنظمة سياسية متعاقبة. وبهذا المعنى، تجسد بوابة القدس، على نحو معماري فريد، الحجة المركزية لهذه الدراسة، ومفادها أن البقايا الصرحية للحكم السلطوي تمثل أرشيفًا ماديًا لا يمكن تعويضه، وتكمن قيمتها في قدرتها على احتواء صراعات وتكيفات ومعانٍ متنافسة لحقبة تاريخية كاملة داخل بنية واحدة. وإن مقاربة هذه الهياكل بمنطق المنفعة السياسية، أي الإبقاء على ما يظل نافعًا رمزيًا والتخلص مما يفقد تلك المنفعة، تحجب تحديدًا ذلك النوع من الفهم التاريخي العميق الذي تتطلبه العدالة الانتقالية في كامل بعدها الثقافي والأرشيفي. وتنطبق المقارنة نفسها على التفضيل المؤسسي لمؤسسة الشهداء، التي آثرت إعادة التوظيف المحكومة باعتبارات سياسية لنصب الشهيد العائد إلى عهد النظام، على حساب الحفاظ الحقيقي وإعادة التفسير النقدي لمواقع تمحورت فعلًا حول الضحايا، مثل سجن نقرة السلمان. ففي كلتا الحالتين، يزيح منطق المنفعة السياسية الآنية منطق المساءلة التاريخية المبدئية، مفضيًا إلى مشهد تذكاري وصرحي يعكس مقتضيات الحاضر السياسية أكثر مما يعكس الالتزامات الإثباتية تجاه الماضي.

إن البعد الأرشيفي لهذا الإرث المعماري يستدعي الاشتباك معه بالقدر نفسه من الصرامة التحليلية التي استُخدمت في تناول أبعاده المادية والمكانية. ففي التدمير المنهجي، والتشتيت، والإهمال الذي طال السجلات الوثائقية المرتبطة بهذه المنشآت، تكمن أفدح الخسائر غير القابلة للتعويض التي شهدها العراق بعد عام 2003. فهدم الهياكل الصرحية أو هجرها، مهما بلغت عواقبه، يُبقي، على الأقل، بقايا مادية، سواء كانت موقعًا، أو أطلالًا، أو أثرًا مكانيًا يمكن إخضاعه للتفسير النقدي، ولو بصورة جزئية. أما اختفاء السجلات الأرشيفية التي أُنتجت من خلالها تلك الهياكل، فإنه يعطل إمكان التفسير في مستواه الأكثر أساسية، لأنه يقصي الأساس الإثباتي الذي يتيح إعادة بناء المنطق المؤسسي، والحسابات السياسية، والمفاوضات الأيديولوجية التي أفضت إلى تشكل البيئة المبنية، على نحو يسمح بفهمها تحليليًا وإخضاعها للمساءلة التاريخية.

وكان من شأن إنشاء مؤسسة أرشيفية مركزية أن يتيح للباحثين العراقيين والدوليين تتبع المسار الذي انتقلت عبره القرارات، من التصميم المفاهيمي، مرورًا بالتفويض الإداري، وصولًا إلى التجسيد المادي، على نحو يسمح بدراسة هذه العمليات بصرامة منهجية. وينطبق ذلك سواء على المشروعات التي اكتملت، مثل ساحة الاحتفالات الكبرى، أو على المشروعات غير المكتملة، مثل جامع الرحمن، بما يتيح توثيق الكيفية التي أدت بها الأولويات السياسية المتغيرة، أو القيود الاقتصادية، أو أزمات النظام، إلى تعطيل مسار هذه المشروعات أو إعادة توجيهه أو تعليقها إلى أجل غير مسمى. وكان الإدراج المنهجي للمواد السمعية والبصرية، والتسجيلات الاحتفالية، والإنتاجات الإعلامية الترويجية، والخطب التي صاغ من خلالها كبار مسؤولي النظام الشرعية العامة لهذه المشاريع، ليضيف طبقة لا غنى عنها من التوثيق التحليلي، تكشف الآليات التي جُنِّدت بها العمارة أداةً للإقناع الجماهيري، والتوطيد الأيديولوجي، والضبط السياسي. ومن منظوري كتابة التاريخ والعدالة الانتقالية معًا، فإن غياب مثل هذا الأرشيف المؤسسي يمثل خسارة تتجاوز آثارها حدود البحث الأكاديمي، إذ أدى إلى تفتيت السجل التاريخي للإنتاج الصرحي لنظام صدام على نحو لا يمكن تداركه، بما يقيد بشدة القدرة على تحليل ما بُني وكيف أدى وظائفه الأيديولوجية، وكذلك ما جرى تخيله واقتراحه ولم يُنفذ قط. وفي إطار العدالة الانتقالية، كان مثل هذا المستودع سيؤدي وظيفة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في دعم الحق في معرفة الحقيقة بأبعاده الثقافية والأيديولوجية، عبر تمكين الأجيال القادمة من فحص الموارد المالية الضخمة التي خُصصت للمشروعات الصرحية استنادًا إلى الأدلة الوثائقية، وهي موارد استُخلصت من مجتمع كان يعيش في الوقت نفسه تحت وطأة حرمان اقتصادي شديد ومقصود، فضلًا عن إخضاع الآليات التي وُظِّفت من خلالها العمارة أداةً للحوكمة السلطوية للفحص النقدي الذي تتطلبه المساءلة التاريخية، وهو فحص أصبح، بسبب الخسارة الأرشيفية غير القابلة للتعويض، ناقصًا على نحو دائم.

وتبرز القيود الهيكلية لعملية العدالة الانتقالية في عراق ما بعد عام 2003 بأوضح صورها في الإهمال المنهجي للأبعاد الثقافية والأرشيفية. فقد اقتصرت سياسات اجتثاث البعث، التي شكلت الاستجابة المؤسسية الأولى لإرث النظام السابق، إلى حد كبير على إقصاء الأفراد من مواقع السلطة الإدارية والسياسية، ونُفذت، فوق ذلك، على نحو وُصف على نطاق واسع بأنه انتقائي سياسيًا، وغير متسق مؤسسيًا، وغير متكافئ قضائيًا. وأفضى هذا التركيز الضيق، ذي الطابع العقابي أساسًا، إلى ترك البنية التحتية الأيديولوجية، والأنظمة الرمزية، والجهاز الصرحي، وآليات الإنتاج الثقافي التي شيد النظام من خلالها سلطته، وطبّعها، وأعاد إنتاجها باستمرار في الحياة العامة والوعي الجماعي، من دون معالجة تُذكر. وفي الوقت نفسه، أدت الدوافع الانتقامية التي وجهت ممارسات التدمير المادي إلى خسائر لا يمكن تعويضها في المواد الإثباتية، والسجلات المعمارية، والتوثيق الإداري، والبيانات المالية المتعلقة بالاقتصاد السياسي للبناء الصرحي، وهي خسائر لم يتمكن أي جهد مؤسسي لاحق من استردادها أو التعويض عنها على نحو كافٍ. ويلخص المسار المؤسسي لمؤسسة الشهداء، الذي جرى تحليله في القسم السابق، هذا الفشل الهيكلي بوضوح خاص؛ فقد أُنيط بها رسميًا حفظ ذاكرة ضحايا ما قبل عام 2003، لكنها فضلت إعادة التوظيف المأزومة لنصب شيده النظام، على التحويل الحقيقي، المؤسس أرشيفيًا والمدعوم مؤسسيًا، للمواقع التي جسدت ماديًا هندسة القمع، لتختار في نهاية المطاف إدارة البقايا المادية للثقافة السلطوية بدلًا من إخضاعها للفحص النقدي الذي تتطلبه العدالة الانتقالية الحقيقية.

إن إطارًا للعدالة الانتقالية قادرًا على التعامل مع كامل تعقيد التجربة العراقية كان يقتضي دمج الاعتبارات الثقافية والأرشيفية بصورة منهجية بوصفها مكونات تأسيسية لا عناصر تكميلية. وكان ذلك يشمل التوثيق الشامل للمواقع الصرحية والإنتاج الثقافي المرتبط بها قبل إجراء أي تعديل أو هدم، وإعداد قوائم جرد شاملة ودقيقة تحدد المنشآت ذات القيمة التراثية، وتبين شروط الحفاظ عليها، أو إعادة تفسيرها نقديًا، أو إعادة توظيفها بصورة منظمة، فضلًا عن إنشاء آليات مؤسسية للمشاركة العامة في القرارات المتعلقة بمستقبل المواقع المتنازع عليها، وربط هذه الجهود صراحةً بآليات العدالة الانتقالية الأوسع، بما في ذلك لجان الحقيقة، وهيئات التوضيح التاريخي، ومبادرات إصلاح التعليم. ولم يكن غياب هذا النهج الشامل مجرد إغفال إداري محايد، بل أدى إلى إغلاق فرص لا يمكن تعويضها لتحويل مواقع السلطة السلطوية إلى موارد للتفكير التاريخي النقدي، والتعليم المدني الديمقراطي، ونمط من المراجعة التاريخية التي يقودها المجتمع لماضٍ عنيف، وهي مراجعة لا غنى عنها لأي عملية إعادة بناء سياسي مستدامة.

إن مسارات بانوراما القادسية، وشبكة القصور الرئاسية، وجامع الرحمن، وساحة الاحتفالات الكبرى، وبوابة القدس في عراق ما بعد عام 2003، بما اتسمت به من عسكرة، ونهب، وإعادة توظيف ارتجالية، واستحواذ طائفي، وإهمال مؤسسي بدرجات متفاوتة، تعكس مجتمعةً الارتباك الأوسع الذي طبع تعامل الدولة العراقية مع الإرث المادي للسلطوية، وغياب أي إطار استراتيجي متماسك لمعالجة هذا الإرث بما يتناسب مع أهميته التاريخية، والإثباتية، والمدنية. ويظل تدمير بانوراما القادسية أكثر هذه الإخفاقات جسامة؛ إذ إن الفقدان المتزامن للهيكل المادي وأرشيفه الوثائقي المرتبط به أحدث فجوة في السجل التاريخي لا يمكن لأي جهد مؤسسي لاحق تداركها بالكامل، وحجب نهائيًا جوانب أساسية من فهم الكيفية التي وظف بها نظام صدام الأيديولوجيا على مستوى التجربة الجماهيرية. وتمثل هذه الخسارة أوضح دليل على عواقب حصر مفهوم العدالة الانتقالية ضمن حدود أضيق من أن تستوعب الأبعاد الثقافية، والمكانية، والأرشيفية للحوكمة السلطوية. وهي عواقب ترتبط، من الناحية الهيكلية، مباشرةً بالخسائر الإثباتية الناجمة عن الإخفاق في إدارة الأرشيفات الوثائقية للعراق وفق مبادئ السيادة الوثائقية، والاستقلال المؤسسي، وحقوق الضحايا، وهي المبادئ التي أكدت هذه الدراسة باستمرار أنها تشكل شروطًا تأسيسية لأي مراجعة موثوقة وشاملة لحقبة ما قبل عام 2003.


[1] صوفيا بيرمان، “نصب السيطرة: كيف تستخدم الأنظمة الاستبدادية العمارة لتشكيل السلطة”، ذا ساينس سيرفي (The Science Survey)، 6 تموز 2025.

Sophia Birman, “Monuments of Control: How Authoritarian Regimes Use Architecture to Shape Power”, The Science Survey, 6 July 2025.

في مقالها المعنون «آثار السيطرة: كيف تستخدم الأنظمة السلطوية العمارة لتشكيل السلطة»، تجادل صوفيا بيرمان بأن الأنظمة السلطوية توظّف عمارة النُصُب، بما تتسم به من ضخامة في الحجم، وتناظر شكلي، وإحالات كلاسيكية، بوصفها أداة محسوبة لإسقاط الهيمنة وممارسة السيطرة النفسية على المواطنين. ومن خلال تحليلها لكلٍّ من الدكتاتوريات التاريخية والأنظمة المعاصرة، تُبيّن بيرمان كيف تعمل هذه البيئات المبنية كدعاية غامرة صُمِّمت لإضفاء طابع الديمومة وغير المُنازع على سلطة الدولة.

[2] غافرييل روزنفيلد، “ميونخ والذاكرة: العمارة، النصب التذكارية، وإرث الرايخ الثالث”، سلسلة: فايمار والآن: النقد الثقافي الألماني، المجلد: 22، 2000، الطبعة الأولى، مطبعة جامعة كاليفورنيا.

Gavriel Rosenfeld, “Munich and Memory: Architecture, Monuments, and the Legacy of the Third Reich”, Series: Weimar and Now: German Cultural Criticism, Volume: 22, 2000, First Edition, University of California Press.

https://doi.org/10.2307/jj.8501150 & https://www.jstor.org/stable/jj.8501150

يُبرز عمل غافرييل روزنفيلد، «ميونيخ والذاكرة: العمارة والنُصُب وإرث الرايخ الثالث»، البيئة العمرانية لحقبة النازية بوصفها بُعدًا حاسمًا، وإن كان كثيرًا ما يُغفَل، من أبعاد الذاكرة الانتقالية، مبيّنًا كيف تعمل العمارة والتخطيط الحضري كأدواتٍ تعالج من خلالها المجتمعات تفاعلها مع التواريخ الصعبة، وتتفاوض بشأنه، وأحيانًا تقيّده.

[3] الإتلاف الدولي لمواقع الضمير، “باركيه بور لا باز (منتزه من أجل السلام) فيلا غريمالدي”.

The International Coalition of Sites of Conscience, “Parque por la Paz (Park for Peace) Villa Grimaldi “.

(ICSC) هي الشبكة العالمية الوحيدة للمواقع التاريخية والمتاحف والمبادرات التذكارية التي تربط نضالات الماضي بحركات اليوم المتمحورة حول حقوق الإنسان.

[4] مريم عثمان، “العمارة والذاكرة السياسية”، ذا ماركيز ريفيو (The Markaz Review)، 4 تموز 2025.

Meriam Othman, ” Architecture and Political Memory”, The Markaz Review, 4 July 2025. https://themarkaz.org/architecture-and-political-memory/

[5] أوين فينس، “العمارة بعد الإفراط: قصور صدام في بغداد”، (FA: Failed Architecture)، 4 أيلول 2016.

Owen Vince, “Architecture After Excess: The Palaces of Saddam’s Baghdad”, FA: Failed Architecture, 4 September 2016. failedarchitecture.com/architecture-after-excess-the-palaces-of-saddams-baghdad/

[6] للمزيد من التفاصيل راجع المصدر: كارين دابروفسكا، “متحف البصرة يأتي مع إطلالة ومكتبة ممولة بريطانياً”، ذا آراب ويكلي (The Arab Weekly)، 17 آب 2019.

Karen Dabrowska, “Basra Museum comes with a view and a British-funded library”, The Arab Weekly, 17 August 2019. thearabweekly.com/basra-museum-comes-view-and-british-funded-library

[7] كيرك سمبل، “العراق يواجه إرث صدام المصبوب في البرونز”، 8 نيسان 2007، صحيفة نيويورك تايمز.

Kirk Semple, “Iraq Confronts Hussein Legacy Cast in Bronze”, 8 April 2007, New York Times.                                                           

https://web.archive.org/web/20180529133519/https://www.nytimes.com/

[8] سمير الخليل، “النصب: الفن، الابتذال والمسؤولية في العراق”، مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1991.

Samir al-Khalil, “The Monument: Art, Vulgarity and Responsibility in Iraq”, University of California Press, 1991.

تنويه: الآراء الواردة في هذه الورقة تعبر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي للمعهد.

اشتــــرك فــــي نشرتنــــا البريديــــة

لموجــــزٍ حــــول أحــــدث الدراســــات والأوراق البحثيــــة والفعاليــــات.