إقتصاد | سياسة | العراق

هل ينجح الاقتصاد في توجيه علاقات العراق الخارجية؟

لم تعد علاقات الدول الخارجية تُقاس بعدد البعثات الدبلوماسية أو الزيارات الرسمية، بل بقدرتها على تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية، والشراكات السياسية إلى استثمارات وتنمية. وتقف علاقات العراق الخارجية اليوم أمام اختبار تاريخي: فهي إما أن تبقى أداة لإدارة التوازنات السياسية بين المحاور، أو أن تتحول إلى رافعة للتنمية الاقتصادية وبناء الدولة.

وترتبط التنمية الحديثة بقدرة الدولة على الانفتاح الذكي على الأسواق العالمية، حيث تشير الدراسات إلى أن كل انفتاح لدولة ما في ملف التجارة الدولية بنسبة  1% يزيد من مجمل الناتج المحلي للفرد بنسبة تتراوح بين 0.9 – 2%.

ولا يعني الانفتاح التجاري إغراق السوق بالسلع المستوردة، وإنما بناء شبكة مصالح تسمح للدولة بتصدير منتجاتها وجذب رؤوس الأموال وكذلك نقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي وصولاً إلى التنمية المستدامة. إلا أن المشكلة العراقية لم تكن في الانفتاح بحد ذاته، بل في كونه انفتاحاً غير متوازن.

لذلك فإن علاقات العراق الخارجية باعتباره بلداً يمتلك مقومات النجاح للعودة لمرحلة التصنيع و الانتاج لا يجب أن تكون على حساب اقتصاده الوطني. فالتنمية و الانتاجية يجب أن تكونا محركي العراق في بناء علاقاته مع الدول و أساساً في أي تقارب سياسي مستقبلي.

لكن ما حدث بعد العام 2003 هو أن العراق تحول إلى سوق استهلاكية كبرى للبضائع المستوردة، خصوصاً من دول الجوار، من دون أن يقابل ذلك نمو حقيقي في الإنتاج الوطني أو الصادرات أو الاستثمار الأجنبي. فقد فُتحت السوق العراقية أمام السلع الأجنبية، لكن من دون حماية كافية للزراعة والصناعة، ومن دون سياسة تصدير فعالة، بل ومن دون ربط واضح بين الاتفاقيات الخارجية والخطة التنموية.

لذا يمكن وصف علاقات العراق الخارجية بأنها علاقات استهلاكية أصبحت فيها البلاد سوقاً للآخرين، حيث تستورد السلع والخدمات وتخرج العملة الصعبة من إيرادات النفط.

هذا النموذج الاستهلاكي في العلاقات الخارجية يشكل تحدياً حقيقياً لبغداد التي تطمح إلى الانتقال بها إلى العلاقات الانتاجية. وحال تحقق هذا الهدف فإن محصلة هذه العلاقات ستكون مصانع ومشاريع وفرص عمل، تضيف قيمة داخل الاقتصاد العراقي.

وفي السنوات القليلة الماضية، حاول العراق أن يغير من هذا النمط في العلاقات الخارجية فأطلق عدداً من المشاريع أهمها مشروع طريق التنمية. ويعتبر هذا المشروع أحد أهم التحولات في التفكير الاستراتيجي العراقي، فهو يستثمر موقع العراق الجغرافي كعنصر بالغ الأهمية في تحويل البلاد إلى منصة ربط تكون أساساً لتشكيل قوة اقتصادية.

ويربط المشروع ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر شبكة طرق وسكك حديدية، بما يجعل العراق ممراً بين الخليج وتركيا وأوروبا. دول الخليج العربي تمتلك الطاقة و الاستثمارات أما تركيا وأوروبا، فتمثلان الأسواق والصناعة، بينما تشكل كل من إيران وسوريا والأردن، عمقاً إقليمياً وأسواقاً وممرات بديلة. إلا أن نجاح هذا المشروع يستوجب وجود دولة قادرة على ضبط السلاح ومكافحة الفساد، وحماية المستثمر بالإضافة إلى تبسيط الإجراءات وتوفير بنية تحتية حديثة.

ويبدو أن العراق يسير نحو هذا التوجه، فقد وُقعت مذكرة تعاون رباعية بين العراق وتركيا وقطر والإمارات عام 2024، ما يمنح مشروع طريق التنمية بعداً إقليمياً وليس عراقياً فقط.

وبناءً على هذه المعطيات فإن علاقات العراق الخارجية يجب أن تتحدد وفق مزيج من الاعتبارات السياسية و الاقتصادية معاً وتبعاً لطبيعة العلاقة مع كل طرف.

العلاقات مع الخليج العربي

اتسمت العلاقات مع دول الخليج العربي خلال العقدين الماضيين بنوع من الاضطراب المشوب بالتوجس و القلق. فبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية و التي ساندت فيها دول الخليج العراق بدأت هذه العلاقة تتحول إلى حالة من العداء كان قمته في غزو نظام صدام إلى دولة الكويت.

ومع سقوط نظام صدام في 2003 شعرت دول الخليج العربي أنها غير قادرة على ملء الفراغ الذي شغلته إيران فمارست سياسة الابتعاد وهو ما أضعف العلاقات السياسية و الاقتصادية مع العراق. لكن هذه العلاقات تطورت تدريجياً إلى أن توجت في ظل حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الذي ساهم في جذب الاستثمارات الخليجية إلى العراق وتطوير العلاقات الدبلوماسية لأعلى المستويات. لكن هذا الأمر اصطدم بنفوذ نفوذ الفصائل المسلحة التي عملت على تشويه صورة هذه العلاقة.

وما تزال دول الخليج العربي منذ ذلك الوقت تنظر إلى العراق كفرصة استراتيجية لكنها من دون أية ضمانات. فدول الخليج تمتلك القدرة المالية و الاستثمارية التي يحتاجها العراق خصوصاً في ظل الظروف الراهنة التي تتراجع فيها الإيرادات المالية. وقد عبر رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن رغبته في جذب استثمارات خليجية بقيمة 50 مليار دولار إلى السوق العراقية. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فعلى الرغم من حاجة دول الخليج إلى العراق كأحد الممرات البديلة، بعيداً عن مخاطر مضيق هرمز، إلا أنها تنظر إلى هذا الأمر بحذر خصوصاً مع عدم وجود الضمانات الحكومية العراقية الكافية و وجود بعض الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها بالإضافة إلى ملف الفساد الذي يعرقل أية استثمارات مستقبلية.

واصبحت العلاقة العراقية-الخليجية مختصرة على الزيارات والبروتوكولات بعيداً عن تحويلها إلى مشاريع باستثناء بعضها كمشروع الربط الكهربائي والاستثمار في الطاقة النظيفة.

لكن العراق يطمح أن تتطور هذه العلاقة إلى مشاريع مهمة كالاستثمار في الغاز المصاحب و المناطق الصناعية ومشاريع الأمن الغذائي بالإضافة للاستثمار في الموانئ والخدمات اللوجستية.لذا فإن دخول كل من دولتي الإمارات وقطر في مذكرة طريق التنمية يعتبر تحولاً مهماً في نظرة دول الخليج إلى العراق ليس فقط كدولة نفطية، بل كممر اقتصادي وفرصة يجب ألا تضيع.

العلاقات مع تركيا

تعتبر تركيا أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للعراق. لكنها في الوقت نفسه مفاوض صعب في ملفات كثيرة كالمياه والطاقة والأمن. لذلك فإن العلاقة معها يجب أن تنتقل من الاعتماد التجاري غير المتوازن إلى شراكة إنتاجية. وقد وصل حجم التبادل التجاري بين العراق و تركيا إلى 16.8 مليار دولارفي العام 2025 بفائض تجاري يصل إلى 8 مليارات دولار لصالح تركيا.

وترغب تركيا أن يكون العراق بوابتها إلى الخليج العربي في حين يعتمد العراق على تركيا في إيصال نفطه عبر موانىء جيهان إلى أوروبا بالإضافة إلى الرغبة في أن تكون تركيا بوابة إلى أوروبا. ويمكن لإدارة هذه المعادلة بكفاءة أن تنتج شراكة كبرى بين البلدين إلا ان هناك خشية عراقية في أن ينتج عن ذلك تبعية جديدة إذا بقي العراق مجرد سوق للبضائع التركية. بالإضافة إلى ذلك فإن تركيا هي عضو مهم وقوي في حلف الناتو لذا فإن الحفاظ على علاقة مستقرة معها يخدم العراق و يمكنه من تطوير استراتيجية دفاعية مشتركة تقوم على التعاون و التنسيق الأمني.

ولتطوير آفاق التعاون بين البلدين على اسس من التكافؤ في الفرص يجب أن ينقل جزء من الانتاج التركي التجاري إلى داخل العراق مع إشراك القطاع الخاص العراقي والقطاع الخاص التركي في مشاريع البنى التحتية المشتركة. لتحقيق ذلك يجب أن تتمكن الدبلوماسية العراقية من الوصول إلى تفاهمات عادلة مع تركيا في ملفات المياه و الطاقة و النقل لتكون العلاقة بين الطرفين علاقة مصالح متبادلة، لا علاقة استيراد دائم.

العلاقات مع إيران

تُعد إيران من أكثر الدول تأثيراً في العراق سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وقد استفادت من حاجة السوق العراقية إلى الكهرباء والغاز والسلع الاستهلاكية. فقد بلغ حجم التبدل التجاري بين البلدين نحو 12 مليار دولار في العام 2025 حيث تشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أن العراق يستحوذ على نحو 20.9% من الصادرات الإيرانية.ويبدو من خلال الميزان التجاري أن العلاقة بين البلدين غير متوازنة فالصادرات العراقية إلى إيران محدودة جداً.

ويعتمد العراق على إيران في ملفات الطاقة و التجارة في علاقة شبيهة بالعلاقة مع الجانب التركي ما يؤشر إلى وجود خلل واضح يؤثر في سياسات هذه الدول وتعاملها مع العديد من الملفات.

لذا يتوجب على العراق أن يعمل على تسوية ملف الطاقة بصورة تدريجية تسمح له باتحقيق الاستقلالية و الاعتماد على الذات خصوصاً من ناحية تقليل الاعتماد على الغاز والكهرباء المستوردة من إيران. بالإضافة إلى ذلك فإن عملية ضبط المنافذ الحدودية ومنع تهريب العملة والسلع سواء عبر إيران أو تركيا ستكون مسألة جوهرية لحماية الاقتصاد العراقي وزيادة الإيرادات غير النفطية من الجمارك و الضرائب. إضافة إلى ذلك يؤسس هذا الامر إلى علاقة تقوم على الشراكة بدلاً من النظر إلى العراق كسوق مفتوح أو ساحة للنفوذ. إن تحويل نمط التجارة من تجارة استهلاكية إلى شراكات إنتاجية سيكون له أثر إيجابي على العلاقات السياسية بين كل هذه الأطراف ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً في المنطقة.

العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا

تمتلك الولايات المتحدة وأوروبا أدوات مهمة يمكن أن يحتاجها العراق في المرحلة المقبلة. فالتكنولوجيا والتمويل والحوكمة بالإضافة إلى الطاقة النظيفة والمساعدة في مكافحة الفساد وتطوير النظام المصرفي هي ركائز أساسية يحتاجها العراق في كجزء من بناء قدرات الدولة. وتبرز مشاريع الطاقة والمياه والدفاع في مقدمة ملفات التعاون بين العراق و كل من الولايات المتحدة و أوروبا وذلك في ظل حاجة العراق المتنامية لها.

لكن العلاقة مع الغرب لا يجب أن تبقى محصورة في هذه الملفات وحسب فالعلاقة مع واشنطن تركزت على مسائل الأمن أكثر من غيرها من النواحي الأخرى لذا فقد أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مؤخراً أن خروج قوات التحالف من العراق في نهاية شهر أيلول من هذا العام 2026 يستوجب أن تتحول العلاقة مع الولايات المتحدة من عسكرية إلى شراكة اقتصادية وتنموية. فالعراق يحتاج إلى دعم حقيقي في مجال إصلاح النظام المصرفي كجزء مهم من ملف مكافحة الفساد كما أنه يحتاج إلى دعم في مشاريع الطاقة المتجددة وتطوير الغاز بالإضافة لإعادة بناء البنى التحتية وتطوير التعليم وتمويل المشاريع الكبرى. كما يتوجب على العراق أن يستخدم علاقته مع الغرب لتحسين موقعه التفاوضي مع بقية الشركاء، لا للدخول في محور ضد محور آخر. فالشريك القوي يعزز الموقف السياسي و يقوي من المركز الاقتصادي في العلاقة مع الدول الأخرى.

العلاقات مع الصين

تعد الصين أكبرشريك اقتصادي للعراق، خصوصاً في مجالات الطاقة والبنية التحتية. ويشكل النفط الخام ومشتقاته أكثر من 95% من صادرات العراق إلى الصين حيث بلغت نحو 38 مليار دولار في العام 2024 أما صادرات الصين إلى العراق فبلغت 16 مليار دولار خلال ذا الفترة ما يعني أن الميزان التجاري هو لصالح العراق بنحو 22 مليار دولار.

إلا أن هذا الفائض لا يعكس بالضرورة قوةً اقتصادية، لأن بنيته تقوم على تصدير مادة خام واستيراد منتجات صناعية عالية القيمة. وبالتالي، فإن القيمة المضافة والتكنولوجيا وفرص العمل والابتكار تبقى متركزة في الاقتصاد الصيني، بينما يظل الاقتصاد العراقي معتمداً على الريع النفطي.

كما أن الصين تنظر إلى العراق أساساً من زاوية الطاقة والمشاريع الكبرى. لذلك يجب على العراق أن يستفيد من الصين في بناء البنية التحتية، مع تجنب الوقوع في نموذج الاعتماد الأحادي أو الديون غير المنتجة.

وإذا أراد العراق أن يستفيد من علاقته مع الصين فيجب أن يركز على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية الحقيقية و التي تنقل إلى اقتصاده الخبرة و المعرفة التكنولوجية بعيداً عن العقود التي قد تتحول إلى التزامات مالية طويلة الأمد من دون عائد إنتاجي. ورغم أن الصين هي شريك مهم في العديد من المشاريع لكن الامر يتطلب وجود إدارة عراقية قوية ودبلوماسية ذكية لا تثير حفيظة الشركاء الآخرين بل و تخلق منقعة مشتركة للجميع.

العلاقات مع سوريا والأردن

عودة سوريا التدريجية إلى المشهد الإقليمي تفتح أمام العراق نقاشاً جديداً حول ممرات التجارة و الطاقة و النقل خصوصاً في اتجاه البحر المتوسط. كما أن الأردن يمثل منفذاً مهماً عبر العقبة. المشكلة الأكبر التي تواجه هذه المسارات هي أنها ما تزال تواجه تحديات أمنية وسياسية وتمويلية. ومع ذلك، فإن العراق يحتاج إلى تعدد المنافذ لا إلى الاعتماد على منفذ واحد. بالمقابل من ذلك تستفيد كل من سوريا و الأردن من أية خطوط نفطية للعراق تمر عبر أراضيها ليس من ناحية الإيرادات الإضافية و لكن لتعزيز مراكزها الاستراتيجية في السوق العالمية.

لذلك فإن تعزيزعلاقات العراق الدبلوماسية مع كل من سوريا و الأردن سيكون عاملاً مهماً ليس من جهة تنويع منافذ التصدير و لكن لتعزيز أمنه و استقراره المحلي خصوصاً بعد أن تمكن العراق من استعادة نفوذه على حدوده الغربية و تمكن من القضاء على تنظيم (داعش) الإرهابي. إن خلق منفعة مشركة بين كل من العراق وسوريا و الأردن سيخلق منطقة اقتصادية استراتيجية ولوجستية مهمة للاقتصاد الأوروبي وستعود بالنفع و الامن و الاستقرارعلى هذه الدول. 

يتبين مما سبق أن رفع التبادل التجاري بين العراق و جيرانه الإقليميين و الدول المختلفة لم يكون محور العلاقات الخارجية. لكن ما يجري في العراق هو العكس من ذلك تماماً فالتبادل التجاري مع الدول التي يقيم معها العراق علاقات اقتصادية هو من جانب واحد فقط حيث يستورد العراق من تلك الدول السلع (الغير منتجة في الغالب) و لا يصدر لها إلا القطع الأجنبي الذي يستنزف احتياطيات البنك المركزي المعتمدة في معظمها على صادراته من النفط الخام. 

أزمة هرمز وهشاشة النموذج الاقتصادي

أظهرت أزمة مضيق هرمز وجود حاجة ملحة لتطوير ملف السياسة الخارجية للعراق حتى يتمكن الاقتصاد العراقي من تنويع منافذ تصدير النفط وتعظيم إيراداته النفطية و غير النفطية على حد سواء. فممرات التصدير المحدودة جعلت العراق في موقف محرج خصوصاً خلال مفاوضاتها مع تركيا على تجديد اتفاقية أنبوب كركوك – جيهان التي تنتهي أواخر شهر تموز   2026 .

فقد فرضت أنقرة شروطاً صعبة على بغداد مستغلة حاجة العراق للإيرادات في ظل حاجة العراق المالية و تراجع صادراته النفطية. كما انعكس ذلك أيضاً على موقف العراق في منظمة أوبك حيث طالبت بغداد بزيادة حصتها الإنتاجية داخل المنظمة أو الانسحاب منها الأمر الذي قد ينعكس على علاقاته السياسية دول فاعلة في أوبك كالمملكة العربية السعودية.

لذا فملف السياسة الخارجية للعراق لم يعد ترفاً دبلوماسياً، خصوصاً و أن العلاقات مع المحيط الإقليمي و الدولي تنعكس مباشرة على اقتصاده الوطني. بمعى آخر فالسياسة الخارجية أصبحت جزءاً مباشراً من الأمن الاقتصادي العراقي ويجب أن تكون الأداة التي تمكن شركاته من إبرام العقود والاستفادة من الخبرات و الوصول للأسواق.

توازن المصالح

حاول العراق خلال خلال السنوات الماضية الابتعاد عن سياسة المحاور وعدم الانجرار إلى معارك سياسية أوتأييد طرف على حساب الأخر. بل إن العراق سعى في أثر من مناسبة للعب دور الوسيط خصوصاً في الملف النووي الإيراني والتواصل مع الجانب الدولي. لكن هذه السياسة سرعان ما تحولت إلى حياد سلبي. فقد فوت العراق فرصة مهمة خلال اتباعه هذا النهج وهي أن يخلق فرصة مربحة لجميع الأطراف. وبدلاً من سياسة النأي بالنفس كان يجب الاهتمام بتعظيم المصالح. وبالتزامن مع تجنب أن يكون العراق ساحة للصراع فإن العراق لم يتمكن من أن يكون ساحة للاستثمار أو أي يجعل استقراره مصلحة مشتركة للجميع.

دور السفارات والملحقيات التجارية

و لم يستطع العراق طيلة السنوات الماضية أن يحقق معدلات تذكر في تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إليه على الرغم من تزايد عدد السفارات التي تفتتح في الخارج أو البعثات الدبلوماسية التي ترسل إليه من دول العالم. و السبب الأكبر في هذا التأخر في الاستثمار الأجنبي في العراق يعود لانعدام الأمن و الاستقرار و الفساد المالي و الإداري و لكنه يعود أيضاً لغياب الدبلوماسية الناجحة التي تستطيع أن تجتذب رؤوس الأموال الأجنبية للاقتصاد الوطني.

و بالرغم من الإعلان الدائم عن إبرام اتفاقات تجارية لكنها لم تخدم العراق إلا من حيث أنها تحقق إيرادات لموازنات الدول الأخرى التي تبيع للعراق منتجاتها مستفيدة من حالة اللاتوازن في ميزان المدفوعات التجارية و الذي يصب في الغالب لصالح الدول الأخرى.

وللتغلب على هذه المعضلة وبناء دبلوماسية اقتصادية فاعلة يجب إعادة تعريف دور السفارات العراقية. فالسفارات العراقية اليوم هي عبارة عن مكاتب سياسية وقنصليات تمارس مهامها الدبلوماسية و القنصلية لكنها بعيدة عن كونها منصات اقتصادية تعمل على جذب الشركات وتسويق الفرص أو متابعة الاتفاقيات. إضافة لذلك فإن العديد من هذه السفارات قد أغفل القطاع الخاص العراقي ولم ينجح في الترويج للصادرات الوطنية أو يساهم في عودة الكفاءات ذات الخبرة و القدرة على التطوير و التنمية.

وحتى حين تحضر وزارة الخارجية لاجتماعات مع بعثاتها لتحضير ملتقيات للاستثماربالتنسيق مع الهيئة الوطنية للاستثمار إلا أن دورها يقتصر بشكل كبير على الناحية التنظيمية من دون التركيز على الترويج أو العائد الاقتصادي. كما تفتقد سفارات العراق و ملحقياته إلى مؤشرات تقيس أداءها من ناحية حجم الاستثمارات التي جذبتها، عدد الشركات التي أدخلتها إلى السوق، قيمة العقود التي سهلتها، أو فرص العمل التي ساهمت في خلقها. ولذلك تبقى الدبلوماسية الاقتصادية العراقية نشاطاً سياسياً وإجرائياً أكثر من كونها أداة قابلة للقياس التنموي.

لذا يجب على الخارجية العراقية أن تضع عدداً من المؤشرات لمراقبة أداء كل سفارة، كاحتساب عدد الشركات التي جرى جذبها وحجم الاستثمارات التي ساهمت السفارة أو الملحقية التجارية في إدخالها أو عدد الفرص التجارية التي فتحتها أمام القطاع الخاص العراقي. بالإضافة لذلك فإن هناك دوراً مهماً يجب أن تمارسه هذه المؤسسات الدبلوماسية ألا وهو مساهمتها في تحسين صورة العراق الاستثمارية و التي تراجعت لأسباب مختلفة خلال السنوات الماضية، فالدبلوماسية التي لا تنتج اقتصاداً تبقى دبلوماسية ناقصة.

ويمتلك العراق طاقات كبيرة في الخارج تتنوع بين رجال أعمال ومستثمرين وأطباء ومهندسين وأكاديميين، لكن الدولة لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه الطاقات إلى قوة ناعمة اقتصادية.

ويمكن أن يتم ذلك من خلال إنشاء برنامج وطني يربط الكفاءات العراقية بالسفارات والوزارات والقطاع الخاص. والهدف من هذا البرنامج المقترح ليس فقط دعوة المغتربين للعودة، بل تحويلهم إلى سفراء اقتصاديين للعراق في الدول التي يعيشون فيها.

كما يجب تمكين القطاع الخاص العراقي من أن يكون شريكاً في العلاقات الخارجية، لا مجرد متلقٍ لقرارات الدولة. فالقطاع الخاص هو الأقدر على بناء شراكات تجارية واستثمارية مرنة.

مكافحة الفساد شرط للعلاقات الخارجية الناجحة

وفي الوقت التي تعمل فيه علاقات العراق الخارجية على تعزيز مكانة الدولة على الصعيد الدبلوماسي و الاقتصادي فإن القدرة على جذب الاستثمار الأجنبي أو بناء شراكات اقتصادية حقيقية لا يمكن أن تنجح من دون مكافحة الفساد. وقد شهد العراق في 2026 حملة اعتقالات لمسؤولين وسياسيين في إطار حملة لمكافحة الفساد، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن الفساد لم يعد مشكلة داخلية فقط، بل عقبة أمام علاقات العراق الخارجية وجاذبيته الاستثمارية. وقد كان لهذه الحملة صدىً دولياً واسعاً يستوجب الاستمرار فيه خصوصاً وأن المستثمر لا يخشى المخاطر الأمنية فقط، بل يرفض الرشوة والغموض القانوني وتعدد مراكز القرار أوالسلاح المنفلت.

توصيات استراتيجية

يقف العراق اليوم أمام فرصة نادرة، فهو ليس دولة مصدرة للنفط وحسب، بل يمكن أن يتحول إلى مركز إقليمي للتجارة والطاقة والنقل والاستثمار. غير أن هذه الفرصة لن تتحقق بفعل الجغرافيا، وإنما تحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية متماسكة تعتمد التوصيات التالية:

أولاً: اعتماد خطة التنمية الوطنية كأساس لأي اتفاق خارجي، حيث توقع الحكومة اتفاقياتها التجارية أو الاستثمارية بما يخدم أهداف الإنتاج والتنويع الاقتصادي.

ثانياً: اعتماد رؤية تحول وزارة الخارجية إلى وزارة داعمة للاقتصاد، من خلال تفعيل الملحقيات التجارية وربطها بمؤشرات أداء اقتصادية.

ثالثاً: إعادة التوازن إلى التجارة مع دول الجوار، عبر تشجيعها على التصنيع داخل العراق ومنع إغراق السوق.

رابعاً: ربط مشاريع تخلق مصالح مشتركة للدول في العراق من خلال سياسة خارجية واضحة خصوصاً تلك الموجهة إلى دول الجوار الإقليمي.

خامساً: اعتماد سياسة خارجية تنطلق من ضرورة التنسيق مع الدول لتنويع ممرات التصدير والنقل، وعدم الاعتماد على منفذ واحد أو طريق واحد.

سادساً: تطوير العلاقات مع الخليج العربي بوصفها شراكة استثمارية ولوجستية، لا مجرد علاقة سياسية.

سابعاً: إدارة العلاقة مع إيران وتركيا على أساس المصالح المتبادلة، مع تقليل الاعتماد غير المتوازن.

ثامناً: توظيف العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا في إصلاح النظام المصرفي والطاقة والتعليم والحوكمة.

تاسعاً: الاستفادة من الصين في البنية التحتية، لكن ضمن عقود شفافة وذات جدوى.

عاشراً: إنشاء مجلس أعلى للدبلوماسية الاقتصادية يضم وزارة الخارجية والتخطيط والتجارة والنقل بالإضافة إلى النفط  والكهرباء وهيئة الاستثمار والقطاع الخاص.

لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن العلاقات الخارجية كانت بعيدة عن العملية التنموية ما جعل العراق سوقاً للدول بدلاً من أن تقوم على المصالح الإنتاجية التي تحول العراق إلى شريك لا غنى عنه.

من هذا المنطلق، فإن معيار نجاح السياسة الخارجية في المرحلة المقبلة يجب ألا يكون عدد الاتفاقيات الموقعة، بل حجم الاستثمار الداخل إلى البلاد والفرص التي تم توفيرها ما يعزز قدرة العراق ومرونته في مواجهة الأزمات الناشئة.

يجب أن ينتقل العراق من سياسة خارجية محايدة إلى سياسة بديلة ومنتجة، تنطلق في كل علاقة مع الخارج من احتياجات الداخل وطريقاً لجذب الاستثماروبناء الدولة في إطار التنمية المستدامة.

اشتــــرك فــــي نشرتنــــا البريديــــة

لموجــــزٍ حــــول أحــــدث الدراســــات والأوراق البحثيــــة والفعاليــــات.